قال د. سعيد محمد أبو رحمة الباحث في قضايا الصراع والتحولات الاستراتيجية أن ما نشهده مع اليوم الأول من اندلاع المواجهة المباشرة بين إسرائيل وإيران لا يمكن قراءته بوصفه جولة تصعيد تقليدية، بل باعتباره انتقالًا نوعيًا في بنية الردع الإقليمي. فنحن أمام لحظة مفصلية يعاد فيها تعريف قواعد الاشتباك، وتختبر فيها الأطراف حدود القوة وحدود الاحتمال في آنٍ واحد.
وأضاف أبو رحمة في تصريحات ل " 180 تحقيقات" طوال السنوات الماضية، اتسم الصراع بين الطرفين بطابع غير مباشر، قائم على إدارة الاشتباك عبر الوكلاء، أو من خلال ضربات محسوبة لا تدفع الأمور إلى مواجهة شاملة. غير أن التطورات الأخيرة تشير إلى كسر هذا النمط. دخول إيران في دائرة الضربات المباشرة، واستخدامها للصواريخ والمسيّرات لاستهداف منشآت عسكرية وحيوية، يعكس تحوّلًا استراتيجيًا واضحًا من سياسة “الصبر الاستراتيجي” إلى سياسة “الردع بالمواجهة”.
إيران وإحداث الصدمة
وقال الباحث في قضايا الصراع أن هذا التحول لا ينبغي فهمه بوصفه اندفاعًا عسكريًا فحسب، بل باعتباره نتاج حسابات تراكمية. فإيران، التي لطالما راهنت على استنزاف خصومها عبر ساحات متعددة، تبدو اليوم وكأنها قررت نقل مركز ثقل العمق المباشر، معتبرة أن الردع لا يُستعاد إلا بإحداث صدمة استراتيجية تعيد رسم خطوط الاشتباك.
واستطرد أبو رحمة ، من الناحية العسكرية، تواجه إسرائيل تحديًا مختلفًا عمّا اعتادته. فالتعامل مع موجات متزامنة من الصواريخ والطائرات المسيّرة يختبر قدرة منظومات الدفاع الجوي على الاستيعاب والاستمرارية، ويضع الجبهة الداخلية تحت ضغط متواصل. المسألة هنا لا تتعلق بعدد الصواريخ التي يتم اعتراضها بقدر ما تتعلق بقدرة المجتمع والدولة على تحمّل وتيرة الإنذار المستمر وحالة الطوارئ الممتدة.
أما على الصعيد الإيراني، فإن الانتقال إلى هذا المستوى من التصعيد يعني استعدادًا لتحمل كلفة الرد. فطهران تدرك أن المواجهة المباشرة تفتح الباب أمام ردود واسعة، وربما أمام انخراط دولي أكبر. ومع ذلك، يبدو أن حساباتها تفترض أن رفع سقف الاشتباك الآن قد يفضي إلى تثبيت معادلة ردع أكثر توازنًا في المدى البعيد.
وقال أبو رحمة أن الحرب في هذا السياق ليست عسكرية فقط. نحن أمام صراع متعدد الأبعاد:
أولًا، البعد العسكري، حيث يسعى كل طرف إلى تقليص قدرة الآخر على المبادرة والرد السريع، واستنزاف مخزونه الدفاعي والهجومي.
ثانيًا، البعد الاقتصادي، إذ إن استهداف منشآت الطاقة أو البنية اللوجستية أو الممرات الحيوية يهدف إلى رفع كلفة الحرب إلى مستويات تؤثر في القرار السياسي، وتدفع باتجاه إعادة الحسابات.
ثالثًا، البعد النفسي، وهو في تقديري الأخطر. استمرار الضربات على العمق، وتكرار مشاهد الإنذار والاختباء، يمكن أن يخلق ضغطًا تراكميًا على الجبهة الداخلية، ويثير تساؤلات حول جدوى الاستراتيجية المتبعة. في الحروب الحديثة، تآكل المعنويات قد يكون أكثر تأثيرًا من تدمير العتاد.
واستكمل الباحث في قضايا الصراع أن المقارنة بين المرحلة الحالية وعقيدة “الصبر الاستراتيجي” السابقة تكشف عن تغير ملموس في التفكير الإيراني. في السابق، كان التصعيد يتم عبر ساحات وسيطة، بما يمنح طهران هامش إنكار ومساحة مناورة. أما الآن، فإن الانخراط المباشر يعني استعدادًا لتحمّل المسؤولية الكاملة عن الفعل العسكري، بما يحمله ذلك من مخاطر وفرص في آنٍ معًا.
فالسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل نحن أمام حرب شاملة طويلة الأمد، أم أمام جولة كبرى لإعادة ضبط ميزان الردع؟
من خبرتي في دراسة أنماط الصراع، أرى أن الاحتمالين قائمين، لكن المؤشرات الأولية توحي بأن الأطراف تختبر الحدود دون رغبة حقيقية في الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة بلا سقف. فالحرب الشاملة ستكون مكلفة إلى درجة قد تفوق قدرة أي طرف على التحكم بمآلاتها، خصوصًا في ظل التشابك الإقليمي والدولي.
ومع ذلك، فإن مجرد انتقال الصراع إلى هذا المستوى المباشر يعني أن المنطقة دخلت مرحلة أكثر هشاشة وأقل قابلية للاحتواء السريع. قواعد الاشتباك القديمة تتآكل، ومعادلات الردع تعاد صياغتها تحت النار.
الخلاصة التي أخلص إليها هي أننا أمام لحظة إعادة تشكيل للنظام الردعي في الشرق الأوسط. إذا نجحت إيران في فرض معادلة “العمق مقابل العمق”، فإن ذلك سيغير طبيعة الصراع لسنوات قادمة. وإذا تمكنت إسرائيل من احتواء التصعيد وإعادة فرض سقف منخفض للاشتباك، فإننا سنكون أمام تثبيت جديد لقواعد اللعبة.
في كل الأحوال، المرحلة الراهنة ليست مجرد تصعيد عابر، بل اختبار تاريخي لحدود القوة والإرادة في الإقليم، وامتحان مفتوح لصلابة المجتمعات قبل الجيوش.










