4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

تركي لـ "180 تحقيقات"إيران تشهد واحدة من أكثر لحظاتها حساسية منذ تأسيسها والتحدي المقبل وجودي

قال  د. إسماعيل تركي أستاذ العلوم السياسية أن  أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تشهد واحدة من أكثر لحظاتها حساسية منذ تأسيسها عام 1979. فنحن لا نتحدث فقط عن احتمال انتقال في موقع القيادة العليا، بل عن اختبار عميق لبنية النظام ذاته

بقلم: سماح عثمان
٢ مارس ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
13 مشاهدة
إيران

إيران

قال  د. إسماعيل تركي أستاذ العلوم السياسية أن  أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تشهد واحدة من أكثر لحظاتها حساسية منذ تأسيسها عام 1979. فنحن لا نتحدث فقط عن احتمال انتقال في موقع القيادة العليا، بل عن اختبار عميق لبنية النظام ذاته، ولمدى قدرته على التحول من شرعية تستند إلى الرمز الفردي إلى شرعية تقوم على تماسك المؤسسة. 


وأضاف تركي في تصريحات لـ "180 تحقيقات "، إن النقاش المتزايد حول “مرحلة ما بعد المرشد” يعكس إدراكًا داخل دوائر الدولة بأن التحدي المقبل ليس إداريًا بقدر ما هو وجودي.

وأكد، من الناحية الدستورية، تبدو الصورة منضبطة؛ إذ تنص المادة (111) على آليات واضحة لمعالجة شغور منصب المرشد، بما يضمن استمرارية الحكم عبر مجلس مؤقت يضم رئيس الجمهورية، ورئيس السلطة القضائية، وأحد فقهاء مجلس صيانة الدستور. غير أن التجربة السياسية المقارنة تعلمنا أن النصوص، مهما بلغت دقتها، لا تستطيع وحدها إدارة لحظات التحول الكبرى، خصوصًا في أنظمة تداخل فيها الديني بالسياسي، والكاريزما الشخصية بالبنية المؤسسية.

في تقديري، التحدي الحقيقي يكمن في كيفية إدارة الرمزية. فالمرشد في إيران ليس مجرد رأس للسلطة التنفيذية أو مرجعية دستورية عليا، بل هو ركيزة معنوية وأيديولوجية للنظام. وبالتالي، فإن أي انتقال في هذا الموقع يتطلب هندسة سياسية دقيقة توازن بين استمرارية الشرعية ومنع اهتزاز صورة الدولة.

وأشار أستاذ العلوم السياسية، أن المعطيات الراهنة تشير إلى أن مركز الثقل في لحظات الأزمات يميل بطبيعته نحو البنية الأمنية، وفي مقدمتها الحرس الثوري الإيراني. هذا الميل لا يعني إقصاء المؤسسة الدينية، بل يعكس منطق “أولوية الاستقرار” الذي تتبناه الأنظمة الثورية عند مواجهة مخاطر وجودية. في مثل هذه السياقات، تتقدم اعتبارات الأمن القومي على التوازنات الفقهية التقليدية، وتصبح إدارة المخاطر مقدمة على النقاشات الأيديولوجية.

السؤال المحوري هنا: هل نحن بصدد انتقال من “نظام الشخص” إلى “نظام المؤسسة”؟

المؤشرات توحي بأن فكرة القيادة الجماعية لم تعد مجرد طرح نظري، بل خيارًا مطروحًا بقوة داخل النخبة. إعادة توزيع الصلاحيات، وتوسيع دائرة التأثير داخل هرم القرار، قد تكون وسيلة لتقليل المخاطر المرتبطة بتركيز السلطة في يد شخصية واحدة. في هذا السياق، يبرز دور شخصيات براغماتية مثل علي لاريجاني، التي تمثل تيارًا يسعى إلى الحفاظ على توازن دقيق بين متطلبات الردع الخارجي وضرورات الانفتاح الدبلوماسي.

من منظور علم السياسة، يمكن قراءة المرحلة المقبلة بوصفها انتقالًا من نموذج “المرشد ذي الصلاحيات المطلقة” إلى نموذج أكثر مؤسسية، يحتفظ بالرمزية الدينية لكنه يخضع لآليات تشاور وضبط أوسع. هذا لا يعني تقليص مكانة المنصب، بل إعادة تعريف حدوده ووظائفه بما يتلاءم مع بيئة داخلية وخارجية أكثر تعقيدًا.

وقال تركي، أما في ما يتعلق بالملف النووي، فإن الضغوط التي تمارسها الوكالة الدولية للطاقة الذرية تعكس طبيعة المعادلة الصفرية التي تواجهها طهران. إيران تنظر إلى برنامجها النووي باعتباره حقًا سياديًا وأداة ردع محتملة، وفي الوقت ذاته كورقة تفاوضية لإعادة صياغة علاقتها بالمجتمع الدولي. مستويات التخصيب هنا ليست مجرد أرقام تقنية، بل أدوات سياسية تُستخدم في إطار استراتيجية تصعيد محسوب.

 

وأضاف إسماعيل تركي، في حال تصاعد التوتر، ستسعى طهران إلى توظيف علاقاتها مع روسيا والصين داخل مجلس الأمن لخلق توازن مقابل الضغوط الغربية، ولا سيما من جانب الولايات المتحدة. إنها لعبة توازنات دقيقة، حيث يُستخدم التصعيد أحيانًا كوسيلة لفرض شروط تفاوضية أفضل، لا كغاية في ذاته.

داخليًا، يظل رهان التعبئة الوطنية قائمًا. غير أن المجتمع الإيراني تغيّر كثيرًا خلال العقود الماضية. فالأجيال الجديدة أقل استجابة للخطاب التعبوي التقليدي، والضغوط الاقتصادية تفرض سقفًا واقعيًا لقدرة الدولة على توظيف الشعارات في إدارة الأزمات. قد تنجح التعبئة في توحيد الصف مؤقتًا، لكنها لا تكفي لضمان استقرار طويل الأمد دون معالجة التحديات المعيشية والمؤسسية.

استشرافًا للمستقبل، أرى ثلاثة مسارات محتملة:

أولًا، مسار الوصاية المؤسسية، حيث يتم اختيار مرشد توافقي يحافظ على رمزية المنصب، بينما تتوزع السلطة الفعلية داخل دائرة أمنية-سياسية ضيقة تدير التوازن بين الردع والمهادنة.

ثانيًا، مسار التسوية الكبرى، عبر استثمار لحظة الخطر لإعادة صياغة العلاقة مع الغرب في إطار صفقة تحفظ بقاء النظام مقابل تنازلات محددة في الملف النووي والنفوذ الإقليمي.

ثالثًا، مسار الارتباك، إذا ما فشلت النخبة في إدارة الانتقال بسلاسة، ما قد يؤدي إلى صراع أجنحة علني يفتح الباب أمام ضغوط خارجية واضطرابات داخلية.

في المحصلة، أرى أن الاختبار الحقيقي أمام إيران اليوم لا يتعلق فقط بقدرتها على مواجهة التحديات العسكرية أو الدبلوماسية، بل بقدرتها على إعادة إنتاج شرعيتها في مرحلة انتقالية حساسة. إن نجاحها في الانتقال من شرعية الرمز إلى شرعية المؤسسة سيحدد ما إذا كانت ستخرج من هذه اللحظة أكثر تماسكًا، أم أكثر هشاشة في بيئة إقليمية ودولية شديدة التقلب.

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

تركي لـ "180 تحقيقات"إيران تشهد واحدة من أكثر لحظاتها حساسية منذ تأسيسها والتحدي المقبل وجودي - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°