تستمر فصول المأساة الإنسانية في قطاع غزة مع دخول حرب الإبادة الجماعية مراحل زمنية قياسية من القتل والتدمير الممنهج، حيث أعلنت وزارة الصحة في غزة، اليوم الاثنين، عن تحديثات ميدانية صادمة تعكس حجم الكارثة.
ووفقاً للبيان الرسمي، فقد استقبلت المستشفيات خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية شهيداً واحداً وخمسة جرحى، في ظل ظروف صحية متهالكة يعاني منها القطاع الطبي.
ومع هذه الحصيلة الجديدة، ارتفع إجمالي عدد الشهداء منذ السابع من أكتوبر 2023 إلى 72,097 شهيداً، فيما بلغت أعداد المصابين والجرحى نحو 171,796 شخصاً، وهي أرقام تعكس استهدافاً مباشراً وشاملاً للكتلة البشرية في القطاع، لا سيما الأطفال والنساء الذين يشكلون النسبة الأكبر من ضحايا هذه الآلة العسكرية التي لا تفرق بين مدني وعسكري.
واقع المفقودين والعجز الميداني
تشير وزارة الصحة بمرارة إلى أن الأرقام المعلنة لا تمثل الحقيقة الكاملة لحجم الفقد، إذ لا يزال آلاف الضحايا يقبعون تحت ركام المنازل المدمرة وعلى جنبات الطرقات في مناطق التماس الخطرة.
وتواجه طواقم الدفاع المدني والإسعاف عجزاً تاماً عن الوصول إلى هذه الجثامين أو إنقاذ من قد يكون لا يزال على قيد الحياة تحت الأنقاض، وذلك بسبب النقص الحاد في الآليات الثقيلة، والاستهداف المباشر لفرق الإنقاذ، ومنع الاحتلال وصول المساعدات اللوجستية اللازمة.
إن بقاء جثامين الشهداء تحت الركام لا يمثل وجعاً إنسانياً لعائلاتهم فحسب، بل يشكل تهديداً بيئياً وصحياً ينذر بانتشار الأوبئة في المناطق المكتظة بالنازحين الذين فقدوا كل مقومات الحياة الكريمة.
خروقات وقف القتال
على الرغم من دخول قرار وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في الحادي عشر من أكتوبر الجاري، إلا أن المعطيات الميدانية تثبت أن الاحتلال الإسرائيلي لم يلتزم بروح أو نص هذا القرار، بل واصل تنفيذ هجمات "جراحية" وقصفاً مركّزاً أدى إلى نزيف دائم. وبحسب إحصائيات وزارة الصحة، فقد بلغ عدد شهداء الخروقات الإسرائيلية منذ سريان القرار نحو 630 شهيداً، بالإضافة إلى إصابة 1,698 مواطناً بجروح متفاوتة.
هذه الأرقام تؤكد أن حالة "اللا حرب واللا سلم" التي يحاول الاحتلال فرضها ليست سوى غطاء لاستكمال أهدافه العسكرية دون ضجيج دولي، في حين تمكنت الطواقم من انتشال 735 جثة من المفقودين تحت الأنقاض خلال فترة التهدئة الهشة، مما يكشف عن حجم المجازر التي كانت مخفية عن العيون في فترات القصف الكثيف.
الإبادة الجماعية والدعم الدولي
تؤكد التقارير الطبية والحقوقية أن ما يشهده قطاع غزة منذ عام 2023 هو عملية إبادة جماعية مكتملة الأركان، نُفذت بدعم عسكري وسياسي وغطاء دبلماسي من قوى دولية كبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية.
هذا الدعم مكن "إسرائيل" من المضي قدماً في خططها التي تشمل القتل المباشر، والتجويع المتعمد كأداة حرب، والتهجير القسري لمئات آلاف المواطنين.
ورغم صدور أوامر صريحة من محكمة العدل الدولية بضرورة وقف الأعمال العدائية وضمان وصول المساعدات الإنسانية، إلا أن الاحتلال ضرب بهذه النداءات عرض الحائط، مستمراً في محو أحياء سكنية كاملة وتدمير البنية التحتية الصحية والتعليمية، مما أدى إلى خروج معظم مدن القطاع عن الخارطة الخدمية والسكنية بشكل شبه كامل.
تداعيات الكارثة الإنسانية
خلفت حرب الإبادة في قطاع غزة واقعاً مأساوياً يتجاوز لغة الأرقام الصماء، حيث تشير التقديرات الإجمالية إلى سقوط أكثر من 243 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح، مع وجود ما يزيد على 11 ألف مفقود انقطعت أخبارهم تماماً.
هذا الدمار الشامل لم يقتصر على الحجر، بل امتد ليضرب العصب الإنساني من خلال "المجاعة" التي أزهقت أرواح العشرات، معظمهم من الأطفال الرضع الذين لم يجدوا حليباً أو غذاءً يسد رمقهم. إن سياسة "الأرض المحروقة" التي انتهجها الاحتلال جعلت من غزة مكاناً غير قابل للحياة في المنظور القريب، حيث تحولت المدن الزاهرة بأسواقها وبيوتها إلى تلال من الركام، وسط موجات نزوح قسري متكررة شتتت شمل العائلات وجعلت من "الخيمة" الملاذ الوحيد المتاح لمئات آلاف الفلسطينيين الذين يواجهون المجهول في كل يوم.
المسؤولية الجنائية الدولية
أمام هذه الحقائق المروعة التي توثقها وزارة الصحة ومنظمات الأمم المتحدة، يبقى التساؤل قائماً حول دور العدالة الدولية في محاسبة مرتكبي هذه الجرائم.
إن تجاهل الاحتلال للمطالب الدولية بوقف الإبادة وتحديه السافر للمؤسسات القانونية يضع مصداقية النظام العالمي على المحك، الضحايا الذين لا يزالون تحت الأنقاض، والأطفال الذين يموتون جوعاً، والجرحى الذين تبتن أطرافهم دون تخدير في مستشفيات متهالكة، يمثلون صرخة في وجه الضمير العالمي.
إن إنهاء هذه المعاناة يتطلب أكثر من مجرد إحصاء الضحايا؛ بل يحتاج إلى إرادة دولية حقيقية لفرض عقوبات وضمان الإغاثة الفورية وإعادة الإعمار، ووقف تدفق السلاح الذي يحول أجساد الفلسطينيين إلى وقود لهذه الحرب المستعرة التي لا تلوح نهايتها في الأفق القريب.










