أعرب مسؤول رفيع المستوى في حكومة إقليم كردستان العراق، خلال مقابلة مع شبكة "سي إن إن" الإخبارية، عن قلق الإقليم المتزايد من احتمالية تحول مناطق شمال العراق إلى قاعدة انطلاق ومسرح عمليات للميليشيات الكردية الإيرانية المعارضة.
وأوضح المسؤول أن هذه المخاوف تنبع من التداعيات الخطيرة التي قد تترتب على استغلال جغرافيا الإقليم الجبلية لشن هجمات ضد الجارة إيران، مما قد يجر المنطقة برمتها إلى مواجهة عسكرية لا تحمد عقباها، ويحول الإقليم الذي يسعى للاستقرار الاقتصادي إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية المتصارعة.
هذا التحذير الكردي يعكس حالة من التوجس العميق لدى القيادة السياسية في أربيل، التي تجد نفسها اليوم في موقف حرج بين التزاماتها الدولية وعلاقاتها مع واشنطن من جهة، وبين ضرورة الحفاظ على علاقات حسن الجوار والاتفاقيات الأمنية المبرمة مع طهران من جهة أخرى.
إن استخدام الأراضي العراقية كمنصة للعدوان البري أو الاستخباراتي يمثل خرقاً صريحاً للسيادة الوطنية واتفاقيات الأمن المتبادل، وهو ما دفع المسؤولين الكرد للتأكيد على رفضهم القاطع لأن يكون الإقليم طرفاً في أي تصعيد عسكري يستهدف استقرار الدول المجاورة تحت أي مبرر كان.
تورط السي آي إيه
في كشف ميداني لافت، أكد المسؤول الكردي للشبكة الأمريكية أن دعم وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) للجماعات الكردية الإيرانية المعارضة لم يكن وليد اللحظة، بل بدأ فعلياً قبل بضعة أشهر من اندلاع شرارة الحرب الراهنة في المنطقة.
وأشار إلى أن هذا الدعم الاستخباراتي واللوجستي وفر غطاءً لهذه الجماعات لتعزيز تواجدها وتطوير قدراتها، وهو ما يضع إقليم كردستان في مواجهة مباشرة مع طهران التي تراقب هذه التحركات بدقة. إن الكشف عن دور "السي آي إيه" يسلط الضوء على عمق الانخراط الأمريكي في إعادة صياغة موازين القوى الأمنية على الحدود الإيرانية-العراقية.
هذا التصريح يضع الإدارة الأمريكية في موقف تساؤل حول مدى التنسيق مع الحكومة المحلية في أربيل أو الحكومة المركزية في بغداد قبل البدء في هذه الأنشطة.
وبحسب المسؤول الكردي، فإن تغلغل الجماعات المعارضة المدعومة أمريكياً داخل أراضي الإقليم يخلق ضغوطاً أمنية هائلة، حيث حذرت حكومة كردستان مراراً من السماح لهذه الجماعات باستخدام الأراضي العراقية لشن أي هجوم بري على إيران. إن الخطورة تكمن في أن أي عمل عسكري ينطلق من الشمال سيقابل برد إيراني عنيف قد يستهدف البنية التحتية والمناطق المدنية في الإقليم، كما حدث في هجمات صاروخية سابقة.
ضبابية سياسة ترامب
لم تقتصر تصريحات المسؤول الكردي على الجوانب الميدانية، بل امتدت لتشمل انتقاداً حاداً ومباشراً لأسلوب إدارة الرئيس دونالد ترامب للملف الإيراني.
ووصف المسؤول سياسة ترامب بأنها "غير واضحة" وتتسم بالتناقض الصارخ، مشيراً إلى أن الرئيس الأمريكي "يقول الشيء ونقيضه في يوم واحد"، وهو ما يخلق حالة من الارتباك لدى الحلفاء الإقليميين الذين يحاولون بناء استراتيجيات بعيدة المدى. إن غياب الرؤية الواحدة والموحدة من واشنطن يجعل من الصعب على حكومة كردستان التنبؤ بالخطوات القادمة، مما يزيد من تعقيد المشهد الأمني في المنطقة.
هذا التقلب في المواقف الأمريكية يراه المسؤولون في أربيل عائقاً أمام استقرار العراق، حيث تتأرجح واشنطن بين التهديد بالحرب الشاملة وبين الدعوة للمفاوضات، في حين تظل الميليشيات المعارضة في الميدان تنتظر إشارة البدء.
وبحسب "سي إن إن"، فإن هذا التشكيك الكردي في وضوح السياسة الأمريكية يعكس شعوراً بالخذلان أو القلق من أن يتم التضحية بمصالح الإقليم في صفقات سياسية كبرى أو مواجهات عسكرية غير محسومة النتائج. إن القيادة الكردية تطالب بموقف أمريكي ثابت يحترم سيادة الأراضي العراقية ولا يورطها في حروب بالوكالة ضد الجوار.
رسائل التحذير لأربيل
لقد وجهت حكومة إقليم كردستان رسائل واضحة لكافة الأطراف بضرورة احترام الخصوصية الأمنية للإقليم، مشددة على أنها لن تسمح بتحويل جبالها إلى ملاذات آمنة للتنظيمات التي تخطط لزعزعة استقرار طهران.
وأوضح المسؤول أن التحذيرات التي أطلقتها أربيل استهدفت بشكل خاص منع أي محاولة لشن هجوم بري، مؤكداً أن الحفاظ على أمن الحدود هو أولوية قصوى لا يمكن التهاون فيها، هذه الصرخة الدبلوماسية تأتي بعد رصد تحركات مريبة لبعض الجماعات المسلحة التي بدأت تظهر عليها ملامح الاستعداد القتالي بتمويل وتدريب خارجي، وهو ما يعتبره الإقليم قنبلة موقوتة.
إن التداعيات السياسية لهذه التصريحات قد تفتح باباً جديداً من التوتر مع واشنطن، لكنها في المقابل قد تساهم في تهدئة المخاوف الإيرانية وبناء جسور ثقة مع بغداد فالحكومة المركزية في العراق تضغط باستمرار لنزع سلاح الجماعات الإيرانية المعارضة المتواجدة في الشمال، وتصريحات المسؤول الكردي لـ "سي إن إن" تصب في اتجاه دعم السيادة الوطنية. إن الرسالة الجوهرية هنا هي أن كردستان العراق لا تريد أن تكون جزءاً من "محور الشر" في نظر طهران، ولا تريد أن تُستخدم كأداة ضغط استخباراتية في يد واشنطن، بل تسعى لأن تكون منطقة استقرار ووساطة.










