يرى أحمد العناني الباحث المتخصص في الشان الإيراني أن الضربات الأمريكية–الإسرائيلية لم تكن عسكرية بحتة، بل ركزت على شلّ المؤسسات الاقتصادية الحيوية داخل إيران. فالمؤسسات الاقتصادية، بحسب تحليلاته، تشكل أحد الأعمدة الأساسية لبقاء النظام، واستهدافها يخلق ضغطًا داخليًا موازٍ للضغوط العسكرية الخارجية.
ويشرح العناني لـ"180 تحقيقات" أن هذه الاستراتيجية تقوم على معادلة مزدوجة: ضربات من الأعلى لزعزعة القيادة، وضغوط من الأسفل قد تتحول إلى مظاهرات أو اضطرابات شعبية. ويضيف أن الهدف من هذا التوازن هو إضعاف ثقة الشارع بالنظام، وبالتالي تسريع مرحلة الضغط الداخلي، وهو ما يعكس بشكل واضح أن ميزان الردع يميل في الوقت الحالي لصالح الجانب الأمريكي–الإسرائيلي.
الصواريخ والقدرة على الرد
يشير العناني إلى أن إطلاق إيران صواريخ بالستية لم يحقق حتى الآن تأثيرًا حاسمًا في تغيير ميزان الردع. فالنتائج الأولية توضح أن المكاسب العسكرية المباشرة تميل إلى أمريكا وإسرائيل، خاصة إذا ما قورنت بالخسائر الإيرانية المعلنة.
مع ذلك، يحذر العناني من أن هذا التقييم ينطبق على المدى القصير فقط. فهو يرى أن إيران قد تلجأ لاحقًا إلى صواريخ أكثر تطورًا تتجاوز قدرات الرادارات الأمريكية والإسرائيلية، ما قد يغير قواعد الاشتباك ويحدث توازنًا جديدًا في المستقبل. ويشير أيضًا إلى تخوف إسرائيلي من احتمالية مواجهة صواريخ متقدمة لا يمكن اعتراضها بسهولة، وهو ما يمثل تحديًا استراتيجيًا طويل الأمد.
هل نحن أمام حرب استنزاف؟
يؤكد العناني أن الحديث عن “حرب استنزاف” في يومها الأول سابق لأوانه. فهو يوضح أن طبيعة المواجهة تتوقف على مدى توسع العمليات، ويشير إلى أن سياسة الرئيس الحالي دونالد ترامب ستكون حاسمة في تحديد المسار: هل ستقتصر المواجهة على ضربات محدودة تستمر أيامًا معدودة، أم ستتحول إلى استنزاف طويل المدى؟
ويضيف العناني أن تدخل الأطراف الإقليمية سيكون المعيار الأساسي لتحديد طبيعة الحرب. فإذا توسعت الأذرع الإيرانية في المنطقة، فإن الرد الإسرائيلي سيصبح أوسع، وسيترتب على ذلك تدخل أمريكي مباشر لحماية مصالحه وحماية حلفائه في الخليج. عندها فقط يمكن الحديث عن حرب استنزاف تمتد لشهور، مع تأثير واضح على إمدادات الطاقة وسلاسل التوريد، خاصة صادرات الغاز إلى أوروبا وجنوب شرق آسيا.
الأبعاد الثلاثية للضربات
يرى العناني أن الردود الإيرانية–الأمريكية–الإسرائيلية تحمل أبعادًا ثلاثة متكاملة: عسكرية واقتصادية ونفسية. عسكريًا، تم استهداف مراكز في أصفهان وشيراز لتخزين الصواريخ البالستية، وهو ما يهدف إلى تقويض القدرة الهجومية الإيرانية. أما إيران، فتسعى من خلال ضرب أهداف إسرائيلية إلى إثبات قدرتها على الرد، وإظهار أن ميزان الردع لم يُحسم بالكامل.
اقتصاديًا، يوضح العناني أن استهداف البنية التحتية الحيوية يسهم في الضغط على النظام. أما البعد النفسي والدعائي، فيلعب دورًا أساسيًا من خلال التصريحات المتبادلة التي تهدف لإظهار إيلام الطرف الآخر، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على الجبهة الداخلية، ويقلل من الروح المعنوية ويضعف قدرة القيادة على الرد الفعال










