تتصاعد حدة التوتر داخل أروقة وكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" مع اقتراب موعد المواجهة النقابية الكبرى، حيث أعلنت "الهيئة 302 للدفاع عن حقوق اللاجئين"، وهي منظمة أهلية تتخذ من بيروت مقراً لها، عن دعمها الكامل والمطلق لقرار رئاسة المؤتمر العام لاتحادات موظفي الوكالة بالبدء في إضراب مفتوح عن العمل اعتباراً من يوم الأحد الموافق الثامن من مارس الجاري.
ويأتي هذا الموقف التصعيدي كنتيجة طبيعية لما وصفته الهيئة والاتحادات بسلسلة من القرارات "التعسفية" التي اتخذتها إدارة الوكالة مؤخراً، والتي مست بشكل مباشر الأمن الوظيفي والمعيشي لآلاف الموظفين في مختلف مناطق العمليات، مما يهدد استقرار الخدمات المقدمة لملايين اللاجئين الفلسطينيين في المنطقة.
جذور الأزمة ودوافع التصعيد
أوضحت الهيئة في بيان صحفي صدر عنها اليوم الخميس أن قرار اللجوء إلى الإضراب المفتوح لم يكن خياراً أولياً أو هدفاً بحد ذاته، بل هو وسيلة نقابية كفلتها القوانين الدولية والأعراف المهنية للضغط على الإدارة بهدف تحقيق المطالب المشروعة وحماية الحقوق المكتسبة.
وأشار البيان إلى أن هذا القرار جاء بعد استنفاد كافة سبل الحوار الممكنة، حيث منحت الاتحادات إدارة "الأونروا" مهلة زمنية كافية وصلت إلى شهر كامل للتراجع عن إجراءاتها الجائرة، كما جرت تدخلات مكثفة من قبل الدول المضيفة للوساطة وتقريب وجهات النظر، بالتزامن مع تنفيذ خطوات احتجاجية تدريجية ومنظمة خلال الأسابيع الماضية، إلا أن كل هذه الجهود قوبلت بما وصفته الهيئة بـ "التعنت" الواضح من قبل الإدارة الدولية للوكالة.
سياسات إدارة الأونروا المثيرة للجدل
تتمسك إدارة "الأونروا" بحزمة من القرارات التي تراها ضرورية لمواجهة العجز المالي، لكن الموظفين والجهات الحقوقية يرونها بمثابة "تفكيك ممنهج" لحقوق العاملين.
وتتضمن هذه الإجراءات فصل نحو 575 موظفاً في قطاع غزة بشكل مفاجئ، وتخفيض ساعات العمل وما يتبعها من رواتب بنسبة تصل إلى 20 بالمئة، بالإضافة إلى قرار وقف التوظيف الجديد الذي يزيد من العبء على الموظفين الحاليين.
كما شملت القرارات توجهات نحو خصخصة قطاع الحرس في المقر العام بالعاصمة الأردنية عمان، وتقليص مدد العقود الوظيفية بشكل يحرم الموظفين من الاستقرار، فضلاً عن الامتناع عن صرف بدل المخاطرة للعاملين في قطاع غزة رغم الظروف الأمنية الصعبة، وتخفيض الرواتب الإجمالية في الضفة الغربية وقطاع غزة.
الترهيب الإداري وردود الفعل النقابية
لم يقتصر الخلاف على القرارات المالية فحسب، بل امتد ليشمل أسلوب التعامل الإداري مع الأزمة. فقد كشفت الهيئة 302 عن وجود "رسائل تهديد" وجهتها دائرة الموارد البشرية في الوكالة للموظفين لثنيهم عن المشاركة في الإضراب.
وأشارت التقارير إلى محاولات إدارية للالتفاف على الإضراب عبر التهديد باقتطاع أجزاء من مدخرات الموظفين، أو حتى محاولة تسلم مفاتيح المرافق والمنشآت الحيوية في الأردن لإدارتها مباشرة خلال فترة الإضراب، وهي خطوات اعتبرتها الهيئة خرقاً فاضحاً للعمل النقابي ومحاولة لكسر إرادة الموظفين الذين يدافعون عن لقمة عيشهم واستمرارية مؤسستهم التي تخدم اللاجئين.
تداعيات الإضراب والرسائل الدولية
إن الإضراب المفتوح المقرر انطلاقه يوم الأحد لا يحمل طابعاً مطلبياً مادياً بحتاً، بل هو صرخة في وجه التراجع الدولي عن دعم قضية اللاجئين الفلسطينيين عبر إضعاف الأداة التنفيذية المسؤولة عن رعايتهم.
فمن خلال هذا التحرك، تسعى الاتحادات والهيئة الداعمة لها إلى حشد رأي عام دولي وضغط من الأمم المتحدة والدول المانحة لتوفير التمويل المستدام بدلاً من اللجوء إلى "جيب الموظف" لسد العجز. فتقليص الخدمات أو المساس بحقوق الموظفين ينعكس سلباً وبشكل مباشر على جودة التعليم والرعاية الصحية والإغاثة التي يتلقاها ملايين اللاجئين، مما يجعل الإضراب في جوهره دفاعاً عن حق اللاجئ قبل أن يكون دفاعاً عن راتب الموظف.
دعوات للثبات والالتزام النقابي
في ختام بيانها، وجهت الهيئة 302 نداءً عاجلاً إلى كافة موظفي "الأونروا" بضرورة رص الصفوف والالتزام الكامل بقرار الإضراب المفتوح، وعدم الرضوخ لأي ضغوط أو محاولات ترهيب قد تمارسها الإدارة.
واعتبرت أن نجاح هذا الحراك يعتمد على وحدة الموقف والقوة في التنفيذ، مؤكدة أن الحقوق لا توهب بل تُنتزع بالنضال النقابي المسؤول.
وشددت على أن الهدف النهائي هو دفع الإدارة للجلوس إلى طاولة المفاوضات بجدية والتراجع عن قراراتها التي تضر بالأمن القومي والاجتماعي للاجئين في كافة مناطق العمليات الخمس، وذلك لضمان استمرار عمل الوكالة حتى إيجاد حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية.






