تفيد التقارير الإعلامية الأخيرة، ووفقاً لما أوردته القناة الثالثة عشرة العبرية، بوجود حراك دبلوماسي وأمني مكثف يجري في أروقة السياسة الخفية يشبه رقعة الشطرنج، حيث أجرى مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى محادثات سرية مع شخصية قيادية بارزة في إحدى دول الخليج العربي خلال الساعات الماضية.
وتأتي هذه التحركات، بحسب الرواية الإسرائيلية، بهدف هندسة وتنسيق خطوات عسكرية مشتركة وموجهة ضد إيران، وذلك على خلفية ما تصفه تل أبيب بتصاعد وتيرة الهجمات الإيرانية في الآونة الأخيرة، والتي تشير الادعاءات إلى أنها لم تقتصر على استهداف الكيان الإسرائيلي فحسب، بل امتدت لتشمل مصالح حيوية في دول خليجية من بينها الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين.
من منظور تحليلي دقيق، لا يمكن فصل هذا المسعى الإسرائيلي الحثيث لجر دول المنطقة إلى مربع المواجهة المباشرة عن المأزق الاستراتيجي والأخلاقي الذي يعيشه الكيان المحتل، فهو يحاول جاهداً تصدير أزماته الداخلية وفك عزلته الدولية الخانقة التي تسببت فيها سياساته الإجرامية.
إن هذه التحركات تأتي في سياق مسعى واضح للهروب إلى الأمام من خلال إشعال حروب إقليمية واسعة النطاق، للتعمية على المذابح والمجازر المروعة التي يرتكبها بشكل منهجي بحق الشعب الفلسطيني منذ شهر أكتوبر من عام 2023.
وتستند إسرائيل في هذه المغامرات الخطيرة إلى الدعم اللامحدود من أمريكا، حيث تواصل الإدارة الأمريكية بقيادة رئيسها الحالي ترامب توفير غطاء سياسي وعسكري كامل، مما يكشف زيف السردية الإسرائيلية التي تحاول بوقاحة تصوير هذا الكيان المجرم كضحية تبحث عن تحالفات دفاعية للحفاظ على استقرار المنطقة.
وهم الردع الإقليمي
في سياق متصل بتطورات هذا الملف العسكري، ينقل التقرير التلفزيوني العبري عن مسؤولين في دوائر صنع القرار الإسرائيلية رهانهم الكبير على انخراط دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية والإمارات، في هذا المخطط التصعيدي. ويسوق هؤلاء المسؤولون مبررات مفادها أن أي خطوات عسكرية قد تتخذها العواصم الخليجية ضد طهران ستشكل، بحسب زعمهم، جدار صد منيع وعامل ردع قوي في مواجهة النفوذ الإيراني، فضلاً عن كونها رسالة تحذير استباقية صارمة موجهة لجماعة الحوثي في اليمن لثنيها عن التفكير في الانخراط الأوسع في هذه المعركة الإقليمية المفتوحة وتوسيع دائرة الاستهداف.
غير أن القراءة النقدية المتعمقة لهذه الادعاءات تكشف عن فخ استراتيجي خطير يتمثل في محاولة الكيان الصهيوني استخدام جغرافية ومقدرات الدول العربية كدروع بشرية وساحات حرب متقدمة لتلقي الضربات وتصفية الحسابات بدلاً عنه. إن فكرة "الردع" التي تروج لها تل أبيب وتطالب جيرانها بتبنيها، ليست سوى مناورة خبيثة لتقاسم أعباء الفشل العسكري والاستخباراتي الذي منيت به آلة الحرب الإسرائيلية، وتوريط العواصم العربية في صراع عبثي مدمر لن يخدم سوى أجندة الهيمنة الأجنبية. وفي الوقت الذي يعجز فيه جيش الاحتلال عن تحقيق أي نصر استراتيجي حقيقي في قطاع غزة رغم وحشيته، فإنه يبحث باستماتة عن انتصارات وهمية وحلفاء إقليميين لتمويل حروبه وتخفيف الضغط الوجودي الذي تشكله جبهات الإسناد المختلفة عليه.
فخ الهيمنة الأجنبية
إن الانزلاق نحو هذا النوع من التحالفات العسكرية غير المحسوبة والمشبوهة يمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي بأسره، حيث تهدف هذه الترتيبات إلى إعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية للشرق الأوسط بما يضمن التفوق النوعي والمطلق للكيان الإسرائيلي على حساب سيادة واستقرار دول الإقليم.
وتاريخيا، أثبتت التدخلات الأجنبية والمخططات التوسعية المماثلة أنها لا تجلب سوى الدمار والخراب الممتد، وأن الاعتماد على قوى خارجية تسعى بطبيعتها لنهب الثروات وتأجيج الصراعات الطائفية والسياسية، سيؤدي حتماً إلى تحويل منطقة الخليج العربي إلى بؤرة دائمة للاشتعال والنزيف المستمر للموارد والأرواح بلا طائل.
ولا يمكن إغفال الدور الأمريكي المباشر والعميق في رعاية وتوجيه هذا التصعيد المحتمل، فالولايات المتحدة، تحت إدارة الرئيس الحالي ترامب، لا تدخر جهداً في تكريس سياسة الاستقطاب وبناء المحاور العسكرية لضمان بقاء أمريكا كلاعب أوحد يتحكم في مقدرات الشعوب ويحمي مصالحها الاستعمارية.
إن واشنطن، التي تشارك فعلياً ومباشرة في حرب الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين من خلال جسورها الجوية المفتوحة للأسلحة الفتاكة والدعم المالي، توفر في الوقت ذاته الضوء الأخضر لإسرائيل للعبث بأمن الخليج واستدراج دوله لصراع دموي حتمي مع إيران. هذه الحقائق الساطعة تؤكد مجدداً على كذب وتهافت الرواية الغربية والإسرائيلية حول مساعي السلام، وتثبت يقيناً أن المستفيد الأوحد من هذه المخططات هو إمبراطورية الإرهاب وصنيعتها الاستيطانية، على حساب دماء شعوبنا ومستقبل أوطاننا










