يرى الباحث الاقتصادي أحمد أبو قمر، في تحليله لسلسلة "اقتصاديات الحرب (1)"، أن التصور السائد بأن تأثير الحروب في منطقة الشرق الأوسط يقتصر فقط على تذبذب وارتفاع أسعار النفط هو تصور قاصر لا يدرك أبعاد الواقع الاقتصادي المعقد.
حيث يؤكد أبو قمر أن الحرب الإيرانية الراهنة لا تهدد استقرار أسواق الطاقة العالمية فحسب، بل تمتد آثارها العميقة لتطال أحد أكثر الملفات حساسية وخطورة على الإطلاق وهو ملف الأمن الغذائي العالمي.
إن هذا الترابط الوثيق بين اشتعال الجبهات العسكرية وبين قدرة المجتمعات على تأمين قوتها اليومي ينبع من حقيقة أن الصراعات في هذه البقعة الجغرافية الحيوية تضرب العصب الرئيسي لسلاسل التوريد، مما يحول الأزمة من مجرد صراع إقليمي عسكري إلى تهديد وجودي يمس معيشة المليارات حول العالم الذين قد يجدون أنفسهم ضحية لارتفاعات جنونية في أسعار الغذاء نتيجة لتعطل المسارات اللوجستية وتوقف تدفق المواد الخام الأساسية.
الغاز الطبيعي والعمود الفقري للزراعة
ويوضح الباحث أحمد أبو قمر أن السبب الجوهري وراء هذا التهديد الغذائي يعود إلى الارتباط العضوي بين الغاز الطبيعي وإنتاج الأسمدة النيتروجينية، حيث يعد الغاز المادة الأساسية والأولية لإنتاج النيتروجين الصناعي الذي يمثل بدوره العمود الفقري للإنتاج الزراعي الحديث في كافة دول العالم.
وتشير البيانات التحليلية التي استعرضها أبو قمر إلى أن ما يقارب نصف الغذاء الذي يستهلكه سكان كوكب الأرض يعتمد بشكل مباشر وحصري على هذه الأسمدة، مما يعني أن أي ارتفاع في أسعار الغاز الطبيعي نتيجة للحرب الإيرانية سيؤدي بالضرورة إلى قفزة موازية في تكاليف إنتاج الأسمدة.
إن النيتروجين الصناعي ليس مجرد منتج كيميائي عادي، بل هو المحرك الفعلي لزيادة إنتاجية المحاصيل الاستراتيجية كالقمح والذرة والأرز، وبالتالي فإن غيابه أو ارتفاع ثمنه يعني ببساطة عجز المزارعين عن تحقيق الاكتفاء الذاتي العالمي، مما يدخل الأسواق الزراعية في نفق مظلم من الندرة والغلاء.
مضيق هرمز ومعضلة تجارة اليوريا
تكمن المشكلة الكبرى، بحسب تحليل أحمد أبو قمر، في الموقع الجغرافي لمراكز الإنتاج ومسارات التجارة، حيث يمر جزء هائل من تجارة الأسمدة العالمية عبر مضيق هرمز الاستراتيجي، إذ تسيطر منطقة الشرق الأوسط على حصة تتراوح ما بين 40% إلى 50% من تجارة اليوريا العالمية.
إن أي اضطراب عسكري أو أمني في حركة الشحن داخل المضيق نتيجة لتداعيات الحرب الإيرانية سيؤدي بشكل فوري إلى نقص حاد وسريع في الإمدادات الدولية، وهو ما يضع الأسواق العالمية في حالة ارتباك شديد.
وما يزيد من خطورة الموقف، وفقاً لما ذكره أبو قمر، هو انعدام وجود مخزونات استراتيجية عالمية من الأسمدة يمكنها امتصاص الصدمات الجيوسياسية المفاجئة، على عكس ما هو موجود في قطاع النفط الذي تمتلك دوله الكبرى احتياطيات طوارئ؛ وهذا الفراغ المخزني يجعل أسواق الزراعة العالمية أكثر هشاشة وعرضة للانهيار أمام أي تعطل مفاجئ في سلاسل التوريد التي تمر عبر ممرات الصراع الحالية.
مستقبل الإنتاج وخيارات المزارعين
في ختام رؤيته التحليلية، يحذر الباحث الاقتصادي أحمد أبو قمر من أن تأخر شحنات الأسمدة عن مواعيدها المحددة في مواسم الزراعة سيضع المزارعين عالمياً أمام خيارات أحلاها مر، حيث سيضطرون إما لتقليل استخدام الأسمدة مما يؤدي لتدهور جودة وكمية المحصول، أو تغيير نوعية المحاصيل المزروعة لأخرى أقل استهلاكاً للنيتروجين، أو تحمل التكاليف الباهظة ورفع أسعار البيع النهائية للمستهلكين.
وفي جميع هذه السيناريوهات، فإن النتيجة الحتمية هي انخفاض الإنتاج الزراعي العالمي وارتفاع أسعار الغذاء لمستويات قد تفوق قدرة الطبقات المتوسطة والفقيرة على الاحتمال.
إن "اقتصاديات الحرب" التي يطرحها أبو قمر تدق ناقوس الخطر حول ضرورة إيجاد بدائل أو ممرات آمنة، مؤكداً أن الجوع قد يكون السلاح الأكثر فتكاً في هذه المواجهة الإقليمية إذا ما استمرت الضغوط العسكرية على ممرات التجارة الدولية الحيوية في منطقة الشرق الأوسط.










