أكدت وزارة شؤون المرأة في قطاع غزة، في بيان رسمي صدر اليوم بمناسبة يوم المرأة العالمي الموافق للثامن من مارس 2026، أن المرأة الفلسطينية تستقبل هذه المناسبة الدولية في ظل واحدة من أقسى الكوارث الإنسانية التي سجلها التاريخ المعاصر.
وأوضح البيان أن حرب الإبادة الجماعية التي تعرض لها القطاع منذ السابع من أكتوبر 2023 وحتى عام 2025، استهدفت الإنسان الفلسطيني وبنيته المجتمعية والاقتصادية بشكل مباشر وممنهج، حيث كانت النساء في صدارة ضحايا هذا الاستهداف.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن المرأة في غزة لم تعد تكتفي بدور الضحية، بل أصبحت هي المعيلة والمدبرة لشؤون أسرة ممزقة فقدت معيلها ومنزلها، في ظل ظروف معيشية تفتقر لأدنى مقومات الكرامة الإنسانية، مما يجعل من الثامن من مارس يوماً للتذكير بمظلومية تاريخية لا تزال فصولها تكتب بدموع ودماء نساء القطاع المحاصر.
أرقام تعكس حجم الكارثة
كشفت الإحصائيات الصادرة عن وزارة شؤون المرأة عن أرقام صادمة تعكس حجم التفكك الأسري الذي أصاب المجتمع الغزي، حيث بلغت حصيلة الأرامل اللواتي فقدن أزواجهن نتيجة العدوان نحو 21,193 أرملة حرب.
هذا الرقم ليس مجرد إحصائية، بل يمثل عشرات الآلاف من القصص الإنسانية لنساء وجدن أنفسهن وحيدات في مواجهة أعباء الحياة الثقيلة بعد استشهاد 22,426 من الآباء الذين كانوا يمثلون المعيل الأساسي لأسرهم.
إن اتساع دائرة الترمل في غزة يؤكد تعمد الاحتلال ضرب النواة الأساسية للمجتمع، وهي الأسرة، مما تسبب في خلق فجوات اجتماعية واقتصادية هائلة، خاصة مع تدمير المنازل وفقدان مصادر الدخل، مما وضع هؤلاء النساء أمام مسؤوليات جسيمة تفوق طاقة البشر في ظل استمرار الحرب والحصار وتوقف كافة أشكال الحياة الطبيعية.
إبادة العائلات والسجل المدني
لم يتوقف الاستهداف عند حدود الأفراد، بل امتد ليمسح عائلات بأكملها من الوجود، حيث تشير بيانات الوزارة إلى أن أكثر من 2700 أسرة فلسطينية أُبيدت بالكامل ومُسحت من السجل المدني، ولم يتبقَ منها أي أثر قانوني أو بشري. وفي سياق متصل، هناك أكثر من 6020 أسرة أُبيدت وبقي منها ناجٍ وحيد، وغالباً ما يكون هذا الناجي امرأة أو طفلاً يواجه مستقبلاً مجهولاً بلا سند أو مأوى.
إن هذه السياسة الممنهجة في القصف الجوي والمدفعي للأحياء السكنية المكتظة تعكس الطبيعة المدنية البحتة للضحايا، حيث تبرهن الإحصاءات أن أكثر من 55% من إجمالي الشهداء هم من الأطفال والنساء والمسنين، مما يسقط كافة الذرائع التي يحاول الاحتلال تسويقها لتبرير استهدافه للمربعات السكنية التي تحولت إلى مقابر جماعية للأمهات وأطفالهن.
انهيار المنظومة الصحية والأمومة
على الصعيد الصحي، تعيش المرأة في غزة مأساة مزدوجة، حيث وثقت وزارة شؤون المرأة استشهاد أكثر من 12,500 شهيدة منذ بدء الحرب، من بينهن أكثر من 9000 أم، مما ترك عشرات آلاف الأطفال دون رعاية أمومية في بيئة تسودها الأمراض والجوع.
كما كشف البيان عن تسجيل أكثر من 12 ألف حالة إجهاض بين النساء الحوامل، وهي نتيجة مباشرة لسوء التغذية الحاد، وانعدام المياه النظيفة، وانهيار المنظومة الصحية التي خرجت معظم مستشفياتها عن الخدمة.
إن فقدان الأجنة وحالات الولادة المبكرة وغير الآمنة تعكس جانباً مخفياً من حرب الإبادة، حيث يُستهدف المستقبل الفلسطيني في مهدِه، وتُحرم النساء من حقهن الطبيعي في الأمومة والرعاية الصحية، مما يضاعف من الأزمات النفسية والجسدية التي ستلاحق الأجيال القادمة لسنوات طويلة.
النزوح وأعباء الإعالة الوحيدة
في ظل تدمير أكثر من 350 ألف منزل، أصبحت مئات الآلاف من الأسر بحاجة ماسة إلى إيواء، وهو العبء الذي يقع اليوم بشكل أساسي على كاهل النساء المعيلات اللواتي أصبحن يقدن أسرهم في مراكز النزوح والخيام.
ومع اعتقال آلاف الأزواج والآباء واستمرار غيابهم في سجون الاحتلال، تحولت عشرات الآلاف من النساء إلى معيلات وحيدات يتوجب عليهن تأمين الغذاء والماء والدواء لأطفالهن وسط ركام المدن المحطمة.
إن المرأة الفلسطينية في قطاع غزة اليوم هي الشهيدة، والأرملة، والأم الثكلى، والمعيلة الصامدة التي تتحمل مسؤولية الحفاظ على بقاء ما تبقى من النسيج المجتمعي، ضمن سياق إبادة جماعية مستمرة تهدف إلى تدمير البنية الاقتصادية والاجتماعية للقطاع بشكل كامل، مما يستوجب تحركاً دولياً فورياً لإنهاء هذه المعاناة وتقديم الدعم العاجل لنساء غزة.










