أعلن وزير الصحة اللبناني، ركان ناصر الدين، في مؤتمر صحفي عُقد اليوم الأحد، عن ارتفاع مهول في حصيلة ضحايا العدوان الإسرائيلي المتواصل على الأراضي اللبنانية منذ مطلع شهر مارس الجاري، حيث بلغت الحصيلة الإجمالية 394 شهيداً و1130 جريحاً.
وأوضح ناصر الدين أن الإحصائيات الرسمية تشير إلى استشهاد 83 طفلاً و42 سيدة، بالإضافة إلى ارتقاء 9 من الكوادر الطبية الذين استُهدفوا أثناء أداء واجبهم الإنساني، فيما شملت قائمة الجرحى 254 طفلاً و274 سيدة، مما يعكس الطبيعة العشوائية والإجرامية للقصف الذي يركز بشكل أساسي على المناطق المأهولة بالسكان والمنشآت المدنية.
وتصاعدت حدة الغارات الجوية الإسرائيلية فجر اليوم الأحد، حيث ارتكبت قوات الاحتلال مجزرة جديدة في بلدة "صير الغربية" التابعة لقضاء النبطية بجنوب لبنان، أسفرت عن استشهاد 19 مواطناً لبنانياً إثر تدمير بناية سكنية بالكامل فوق رؤوس ساكنيها.
وتأتي هذه الغارة ضمن سلسلة من الهجمات العنيفة التي شهدها يوم السبت الماضي، والتي أدت وحده إلى مقتل 55 شخصاً في مناطق متفرقة من شرق وجنوب البلاد، ما يشير إلى أن الاحتلال يتبع سياسة التصعيد الشامل لزيادة الضغط الشعبي والسياسي، متجاهلاً كافة التحذيرات الدولية والمواثيق التي تحمي المدنيين في وقت الحروب والنزاعات المسلحة.
استهداف المنظومة الصحية
لم يقتصر العدوان الإسرائيلي على استهداف التجمعات السكنية فحسب، بل امتدت يد التدمير لتطال البنية التحتية الصحية بشكل مباشر ومتعمد، حيث أكد وزير الصحة اللبناني أن أربعة مستشفيات في مناطق الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت تعرضت لأضرار مادية جسيمة نتيجة القصف القريب والمباشر، والأخطر من ذلك هو خروج 5 مستشفيات حيوية عن الخدمة بشكل كامل، مما وضع المنظومة الطبية في حالة من العجز أمام التدفق الهائل للجرحى والمصابين، خاصة في ظل النقص الحاد في المستلزمات الطبية والأدوية والوقود اللازم لتشغيل المولدات، وهو ما ينذر بكارثة صحية وإنسانية لا يمكن احتواؤها إذا استمر العدوان بذات الوتيرة.
إن خروج المرافق الصحية عن الخدمة في ظل هذه الظروف الراهنة يعني حرمان آلاف المواطنين من الرعاية العاجلة، ليس فقط لضحايا القصف، بل أيضاً لأصحاب الأمراض المزمنة والحالات الطارئة.
وتشير التقارير الميدانية إلى أن فرق الإسعاف تواجه صعوبات بالغة في الوصول إلى أماكن الاستهداف نتيجة تدمير الطرق الرئيسية وتهديد الطائرات المسيرة لكل ما يتحرك في شوارع القرى الجنوبية، وهو أسلوب صهيوني معهود يهدف إلى مضاعفة أعداد الضحايا عبر منع وصول المساعدات الطبية واللوجستية في الوقت المناسب لإنقاذ الجرحى العالقين تحت الأنقاض.
توسيع رقعة الصراع
اتسعت رقعة الحرب إقليمياً بشكل دراماتيكي لتشمل الساحة اللبنانية بشكل مكثف منذ يوم الاثنين الماضي، وذلك بعد بدء العدوان الإسرائيلي الأمريكي المشترك على إيران في أواخر فبراير الماضي، والذي أسفر عن استشهاد ما لا يقل عن 1332 شخصاً، كان من بينهم المرشد الأعلى للثورة الإسلامية علي خامنئي.
هذا التطور الخطير دفع "حزب الله" اللبناني إلى الرد عبر مهاجمة مواقع عسكرية تابعة لجيش الاحتلال شمالي فلسطين المحتلة، مؤكداً أن هذه العمليات تأتي رداً على الاعتداءات الصهيونية المتكررة واغتيال الرموز القيادية، وخرق الاحتلال الفاضح لاتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ نوفمبر 2024.
وفي سياق متصل، بدأ جيش الاحتلال الإسرائيلي منذ يوم الثلاثاء الماضي محاولات لتوغل بري محدود في مناطق الجنوب اللبناني، تزامناً مع غارات جوية مكثفة استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت والبقاع وسلسلة جبال لبنان الشرقية، هذا التحول من القصف الجوي إلى العمليات البرية يمثل مرحلة جديدة من المواجهة تهدف إسرائيل من خلالها إلى فرض واقع ميداني جديد، إلا أن المقاومة اللبنانية تتصدى لهذه المحاولات بشراسة، مما أدى إلى نزوح مئات الآلاف من اللبنانيين باتجاه مناطق أكثر أمناً في بيروت والشمال، ليعيش لبنان أزمة نزوح داخلي هي الأكبر منذ سنوات طويلة.
الجذور التاريخية والاحتلال
إن ما يشهده لبنان وفلسطين وسوريا اليوم ليس وليد الصدفة، بل هو استمرار لسياسة استعمارية يمارسها الاحتلال الإسرائيلي منذ عقود طويلة، حيث ترفض تل أبيب الانصياع للقرارات الدولية والانسحاب من الأراضي العربية المحتلة، إن استمرار احتلال أجزاء من جنوب لبنان (مزارع شبعا وتلال كفرشوبا) والأراضي السورية وفلسطين، ورفض قيام دولة فلسطينية مستقلة، هو المحرك الأساسي لدوامة العنف في المنطقة. الاحتلال يسعى دائماً لزعزعة استقرار الدول المجاورة لضمان أمنه المزعوم، مستخدماً القوة العسكرية المفرطة والدعم اللامحدود من القوى الغربية لتنفيذ أجنداته التوسعية على حساب دماء الشعوب العربية.
يبقى الوضع في لبنان مفتوحاً على كافة الاحتمالات، فبينما تتواصل الغارات وتزداد أعداد الشهداء، تظل التحركات الدولية خجولة ولا ترتقي لمستوى الجريمة المرتكبة.
إن الصمود الذي يبديه الشعب اللبناني ومقاومته في وجه آلة الحرب الإسرائيلية يؤكد أن سياسة الترهيب والقتل لن تكسر إرادة الشعوب المطالبة بالحرية والسيادة، وأن الحل الوحيد لاستقرار المنطقة يبدأ بزوال الاحتلال ووقف العدوان الشامل على كافة الجبهات من غزة إلى بيروت وصولاً إلى طهران.
العدوان الإسرائيلي على لبنان، شهداء لبنان، وزير الصحة اللبناني، قصف النبطية، صير الغربية، حصيلة ضحايا لبنان، نزوح اللبنانيين، مستشفيات لبنان، حزب الله، حرب إقليمية، غارات الضاحية الجنوبية، توغل بري، احتلال إسرائيل، ركان ناصر الدين.










