أطلق متداولون ومسؤولون بارزون في قطاع الطاقة العالمي تحذيرات شديدة اللهجة من احتمال قفز أسعار النفط إلى مستويات تاريخية قد تتجاوز 100 دولار للبرميل في غضون أيام قليلة, وذلك في ظل استمرار حالة الغليان العسكري في منطقة الشرق الأوسط وتصاعد المخاوف من تعطل كلي لمرور شحنات الخام عبر مضيق هرمز.
وأشارت تقارير اقتصادية حديثة, بما في ذلك تقرير لوكالة "بلومبيرغ" الأمريكية, إلى أنه على الرغم من المكاسب السعرية الكبيرة التي سجلتها الأسواق خلال الأسبوع الماضي وتجاوز خام برنت حاجز 92 دولاراً للبرميل, إلا أن الأسعار لا تزال مرشحة للانفجار الصعودي لتتخطى حتى المستويات التي أعقبت الأزمة الروسية الأوكرانية.
ويرى محللون أن السوق حالياً يسعر "علاوة مخاطر" مرتفعة جداً, حيث تعكس التحركات الحالية حالة القلق من تحول النزاع إلى حرب إقليمية شاملة تطال البنية التحتية للطاقة بشكل مباشر ومستدام.
إن هذا الارتفاع المتسارع في الأسعار يأتي مدفوعاً بحالة شبه توقف في حركة ناقلات النفط والغاز عبر مضيق هرمز, الذي يُعد الشريان الأبهر للطاقة في العالم بعبور نحو 20% من إجمالي التجارة العالمية عبره.
وأوضحت البيانات الملاحية أن تراجع حركة السفن التجارية والناقلات بنسبة تفوق 85% منذ مطلع مارس الجاري قد وضع ضغوطاً غير مسبوقة على المصافي وشركات التوزيع العالمية.
هذا الانقطاع اللوجستي تسبب بالفعل في قفزات حادة بأسعار المشتقات النفطية, حيث سجل وقود الطائرات والديزل ارتفاعات قياسية تجاوزت 50% في بعض الأسواق, مما دفع بعض الدول والشركات الكبرى إلى تقليص عمليات الإنتاج أو البدء في إعادة توجيه صادراتها عبر مسارات بديلة أطول وأكثر كلفة، وهو ما يضيف أعباء مالية إضافية على كاهل المستهلك النهائي ويهدد بموجة تضخم عالمية جديدة.
تحذيرات المؤسسات المالية الكبرى
دخلت البنوك والمؤسسات المالية الكبرى على خط الأزمة, حيث حذر بنك "غولدمان ساكس" من أن المخاطر الصعودية لأسعار النفط تتزايد بوتيرة أسرع من المتوقع.
وأكد محللو البنك أن استمرار انسداد مضيق هرمز طوال شهر مارس قد لا يدفع الأسعار إلى 100 دولار فحسب, بل قد يصل بها إلى ذروة تاريخية تقترب من 150 دولاراً للبرميل بحلول نهاية الشهر, ما لم تظهر بوادر حقيقية لخفض التصعيد العسكري أو تأمين ممرات بديلة آمنة.
هذا السيناريو "المرعب" للأسواق يستند إلى حقيقة أن البدائل اللوجستية الحالية, مثل الأنابيب السعودية التي تنقل النفط إلى البحر الأحمر أو خطوط الأنابيب الإماراتية المتجهة إلى الفجيرة, لا يمكنها استيعاب سوى ثلث الكميات الهائلة التي تمر عادة عبر المضيق والبالغة نحو 20 مليون برميل يومياً.
ويرى بنك غولدمان ساكس أن الأسواق قد تتجاوز قريباً قمة عامي 2008 و2022, خاصة مع تآكل المخزونات العالمية المتاحة للاستخدام الفوري.
إن تراجع عدد الناقلات العملاقة الفارغة المتواجدة في منطقة الخليج يشير إلى اقتراب اللحظة التي قد يضطر فيها المنتجون إلى خفض إنتاجهم قسرياً لعدم القدرة على التصدير, وهو ما سيخلق عجزاً فعلياً في المعروض لا يمكن تعويضه بسهولة.
هذه التوقعات دفعت بصناديق التحيد والمستثمرين إلى ضخ سيولة هائلة في عقود النفط الآجلة, مما زاد من حدة التذبذبات السعرية وجعل حاجز الـ 100 دولار يبدو وكأنه مسألة وقت لا أكثر, في انتظار أي تطور ميداني جديد قد يشعل الفتيل بالكامل.
تأثير الأزمة على قطاعات الطيران والصناعة
لم تقتصر تداعيات التصعيد على أسعار النفط الخام فحسب, بل امتدت لتضرب قطاع الطيران والصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة في مقتل. فمع تجاوز أسعار وقود الطائرات حاجز 200 دولار للبرميل في بعض المنصات, بدأت شركات الطيران العالمية في إعادة النظر في جداول رحلاتها ورفع قيمة التذاكر بشكل حاد لتغطية التكاليف التشغيلية المتزايدة.
كما أدى اضطراب سلاسل الإمداد بالأسمدة والمنتجات البتروكيماوية القادمة من المنطقة إلى مخاوف بشأن الأمن الغذائي العالمي, حيث قد يضطر المزارعون في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية إلى تقليص استخدام الأسمدة, مما يهدد بإنتاجية المحاصيل في المواسم القادمة.
إن هذه "الحرب الاقتصادية" الصامتة التي تدور رحاها خلف الخطوط القتالية تنذر بحالة من الركود التضخمي قد تضرب الاقتصاد العالمي وتؤخر عملية التعافي التي كانت منشودة لعام 2026.









