تشهد مناطق جنوب الضفة الغربية المحتلة، وتحديداً في المنطقة الحيوية الرابطة بين محافظتي الخليل وبيت لحم، تحولاً ميدانياً لافتاً في طبيعة العلاقة الصدامية بين المواطنين الفلسطينيين وقطعان المستوطنين الذين صعدوا من هجماتهم المسلحة مؤخراً.
ولم تعد الاعتداءات الاستيطانية تمر دون رد حازم، حيث تجسد ذلك في الاشتباك الشعبي الأخير قرب تجمع "غوش عتصيون" الاستيطاني، والذي أسفر عن وقوع إصابات في صفوف المستوطنين المعتدين، في مشهد يعكس حالة من الغليان الشعبي والإصرار على حماية الوجود الفلسطيني بكل الوسائل المتاحة.
هذا التصدي لم يكن مجرد رد فعل عاطفي عابر، بل جاء تجسيداً لاستراتيجية "الدفاع عن النفس والمكان" التي بدأت تتبلور في القرى والبلدات الفلسطينية المحاصرة بالبؤر الرعوية والمشاريع التوسعية، مما يضع الاحتلال ومنظومته الأمنية أمام معضلة جديدة تتمثل في فشل سياسة الترهيب التي يمارسها المستوطنون بحماية الجيش الإسرائيلي.
حماس تبارك البطولة الميدانية
في أعقاب هذه التطورات، سارعت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" إلى إصدار بيان رسمي تشيد فيه بالروح البطالية التي أبداها الشبان الفلسطينيون في الميدان، معتبرة أن ما جرى قرب "غوش عتصيون" هو الرد الطبيعي والوحيد الذي يفهمه الاحتلال ومستوطنوه.
وأكدت الحركة في بيانها أن إصابة عدد من المستوطنين المعتدين أثناء محاولتهم تنفيذ هجمات ضد القرى المجاورة يعكس حالة من الوعي الجمعي واليقين بأن الأرض لا تحمى إلا بالثبات والمواجهة المباشرة.
وشددت حماس على أن هذه البطولة تعبر عن إصرار الشعب الفلسطيني على كسر مخططات الإرهاب الاستيطاني المتصاعد الذي يسعى لنزع السكينة من حياة المواطنين اليومية، موضحة أن تكاتف الجهود الشعبية في الخليل وبيت لحم هو الضمانة الحقيقية لمنع الاستفراد بأي تجمع فلسطيني مهما بلغت شدة الحصار العسكري المفروض على المحافظات الجنوبية.
شديد: الأرض ليست مستباحة
من جانبه، صرح القيادي في حركة حماس، عبد الرحمن شديد، بأن المشهد الميداني في الضفة الغربية بدأ يميل لصالح الإرادة الشعبية التي ترفض الخضوع لسياسة الأمر الواقع التي يحاول الاحتلال فرضها بقوة السلاح.
وقال شديد إن الأبناء الذين وقفوا بصدورهم العارية في وجه الاعتداءات الاستيطانية أرسلوا رسالة واضحة مفادها أن القرى والبلدات الفلسطينية ليست ساحة مستباحة للمجرمين، وأن إرادة الصمود قادرة على لجم المستوطنين وإفشال مخططاتهم الرامية إلى إفراغ الأرض من أصحابها.
وأشار شديد إلى أن هذه المواجهات تؤكد أن الشعب الفلسطيني يمتلك زمام المبادرة وأنه لن يسمح للمشاريع الاستيطانية بأن تتمدد على حساب دمه ومقدراته، لافتاً إلى أن ما جرى هو صفعة قوية لكل المراهنين على تدجين الفلسطينيين أو دفعهم نحو الاستسلام لموجات العنف المنظم التي تقودها عصابات "تدفيع الثمن" وفتية التلال.
مخططات التهجير القسري
وفي سياق متصل، حلل شديد أبعاد التصعيد الإسرائيلي الحالي، معتبراً أن ما تشهده الضفة من اعتداءات متكررة تشمل حرق الممتلكات، واستهداف المزارعين، وسرقة المواشي، يمثل محاولات يائسة ومنسقة من سلطات الاحتلال ومستوطنيه لفرض واقع جديد يقوم على "التهجير القسري الصامت".
وأوضح أن الهدف النهائي هو إخلاء مناطق واسعة في الضفة الغربية لصالح مشاريع استيطانية كبرى تهدف لتمزيق الجغرافيا الفلسطينية ومنع إقامة أي كيان وطني متصل.
وحذر القيادي من أن الصمت على هذه الجرائم سيشجع الاحتلال على الانتقال لمراحل أكثر وحشية، مؤكداً أن تصاعد الغضب الشعبي هو السد المنيع الذي سيحمي الهوية الوطنية، لأن الفلسطينيين أيقنوا تماماً أن الرهان على الوعود السياسية أو الحماية الدولية لا يجدي نفعاً أمام جرافات المستوطنين ورصاصهم، بل إن الميدان هو وحده القادر على تعديل موازين القوى وإجبار المعتدين على التراجع.
دعوة للنفير الشامل
واختتم شديد تصريحاته بدعوة ملحة ومباشرة لكافة أبناء الشعب الفلسطيني في مختلف محافظات الضفة الغربية، بضرورة تعزيز حالة النفير العام واليقظة المستمرة لمواجهة أي تحركات مريبة للمستوطنين. ودعا إلى ضرورة تنظيم لجان الحماية الشعبية والتكاتف الاجتماعي بين القرى المتجاورة، بحيث لا تُترك أي بلدة تواجه مصيرها وحدها أمام غطرسة المستوطنين.
وشدد على أن الدفاع عن الأرض والبيوت ليس مجرد خيار، بل هو مسؤولية وطنية ودينية وأخلاقية تتطلب وحدة الصف الوطني وتجاوز كافة الخلافات لصالح الاستعداد الدائم للمواجهة.
وأكد أن الشعب الذي استطاع التصدي للمستوطنين في "غوش عتصيون" قادر على تعميم هذا النموذج في كل نقطة تماس، حتى يدرك الاحتلال أن كلفة الاستيطان أصبحت أكبر بكثير مما كان يتوقعه، وأن الأرض الفلسطينية ستبقى عصية على الانكسار أو التهويد مهما بلغت التضحيات.










