تواجه السوق المصرية موجة جديدة من الضغوط الاقتصادية بعد قرار حكومي برفع أسعار الوقود والغاز بنسب كبيرة، في خطوة تأتي رغم تعهد رسمي سابق بتثبيت الأسعار لمدة عام على الأقل. وتشكل هذه الزيادة الثالثة خلال أقل من اثني عشر شهرًا، ما يفتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول مسار سياسة الدعم الحكومي، وتأثيرات التطورات الجيوسياسية في المنطقة، خاصة الحرب الدائرة ضد إيران، على الاقتصاد المحلي.
ويأتي القرار في لحظة حساسة إقليميًا ودوليًا، مع اضطرابات حادة في أسواق الطاقة العالمية نتيجة التصعيد العسكري في الخليج، ما أدى إلى قفزات ملحوظة في أسعار النفط والشحن البحري والتأمين، وهو ما انعكس بدوره على قرارات التسعير في دول مستوردة للطاقة مثل مصر.
زيادات واسعة
أعلنت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية رفع أسعار الوقود والغاز بنسب تراوحت بين 14 و30 بالمئة، في قرار يعد ثالث زيادة خلال أقل من عام، وفق بيان رسمي صادر عن الوزارة.
وشملت الزيادة جميع أنواع البنزين والسولار، إذ ارتفعت الأسعار بقيمة ثلاثة جنيهات للتر الواحد.
وبحسب الأسعار الجديدة، ارتفع سعر بنزين 95 من 21 جنيهًا للتر إلى 24 جنيهًا، بنسبة زيادة بلغت 14.29 بالمئة.
كما صعد سعر بنزين 92 إلى 22.25 جنيه للتر، بزيادة بلغت 15.58 بالمئة، بينما ارتفع سعر بنزين 80 إلى 20.75 جنيه للتر، بنسبة زيادة وصلت إلى 16.9 بالمئة.
أما السولار، وهو الوقود الأكثر استخدامًا في قطاع النقل والبضائع، فقد ارتفع إلى 20.50 جنيه للتر بنسبة زيادة بلغت 17.4 بالمئة.
وفي السياق نفسه، ارتفع سعر الغاز المستخدم في السيارات بنحو 30 بالمئة، ليصل إلى 13 جنيهًا للمتر المكعب، بعد أن كان سعره قبل القرار عشرة جنيهات.
كما شملت الزيادة أسطوانات الغاز المنزلي، إذ ارتفع سعر الأسطوانة سعة 12.5 كيلوغرام من 225 إلى 275 جنيهًا، بينما صعد سعر الأسطوانة سعة 25 كيلوغرامًا من 450 إلى 550 جنيهًا، بنسبة زيادة تقارب 22 بالمئة.
تبرير حكومي
أرجعت وزارة البترول قرار تعديل الأسعار إلى ما وصفته بالظروف الاستثنائية التي تمر بها أسواق الطاقة عالميًا.
وقالت الوزارة إن التغيرات الحادة في أسعار النفط والمنتجات البترولية عالميًا فرضت ضغوطًا كبيرة على تكلفة الاستيراد، ما دفع الحكومة إلى إعادة النظر في الأسعار المحلية.

وتأتي هذه الزيادة في وقت شهدت فيه أسعار النفط قفزات كبيرة نتيجة تصاعد الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، قبل أن تتراجع جزئيًا بعد تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحدث فيها عن احتمال أن تكون الحرب قصيرة.
لكن رغم هذا التراجع المؤقت، لا تزال الأسواق العالمية تعيش حالة من القلق الشديد بسبب المخاطر المرتبطة باستمرار الصراع في الخليج.
تأثيرات الحرب
أسهمت الحرب على إيران في إحداث اضطرابات واسعة في سلاسل الإمداد العالمية للطاقة.
فقد أدت المواجهات العسكرية والهجمات المتبادلة إلى ارتفاع مستويات المخاطر في المنطقة، وهو ما انعكس على تكاليف الشحن البحري والتأمين.
كما أدت الهجمات الإيرانية التي استهدفت سفنًا في مضيق هرمز إلى تعطيل شبه كامل لحركة الملاحة في هذا الممر البحري الحيوي.
ويتعامل مضيق هرمز مع نحو خمس صادرات النفط في العالم، الأمر الذي أدى إلى قفزة كبيرة في أسعار النفط والمنتجات البترولية، وأثار مخاوف تضخمية في العديد من الاقتصادات العالمية.
وعد مصري بالتثبيت
يثير القرار الجديد جدلًا واسعًا لأنه يأتي بعد تعهد حكومي سابق بتثبيت الأسعار لفترة طويلة نسبيًا.
ففي 17 أكتوبر 2025 أعلنت الحكومة المصرية رفع أسعار الوقود بنسبة وصلت إلى 13 بالمئة في ثاني زيادة خلال ذلك العام، مع تعهد رسمي بتثبيت الأسعار في السوق المحلية لمدة عام على الأقل.
وشملت تلك الزيادة جميع أنواع البنزين والسولار، حيث ارتفع سعر بنزين 95 من 19 جنيهًا للتر إلى 21 جنيهًا.
كما ارتفع سعر بنزين 92 من 17.25 إلى 19.25 جنيه للتر، بينما صعد سعر بنزين 80 من 15.75 إلى 17.75 جنيه.
وفي الوقت نفسه رفعت الحكومة سعر السولار من 15.5 إلى 17.5 جنيه للتر.
أما الغاز المستخدم في السيارات فقد ارتفع آنذاك من سبعة جنيهات إلى عشرة جنيهات للمتر المكعب.
وأكدت وزارة البترول حينها أن قرار تثبيت الأسعار جاء في ضوء الظروف المحلية والإقليمية والدولية، مع استمرار جهود قطاع البترول في تشغيل معامل التكرير بكامل طاقتها وسداد مستحقات الشركاء.
خطة رفع الدعم
أوضحت الحكومة في ذلك الوقت أن هذه الإجراءات تهدف إلى زيادة الإنتاج المحلي من المنتجات البترولية، بما يساعد على خفض فاتورة الاستيراد وتقليل الفجوة بين تكلفة الإنتاج وأسعار البيع في السوق المحلية.
وكان رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي قد أشار في تصريحات سابقة إلى أن زيادة أكتوبر قد تكون الزيادة الجوهرية الأخيرة في أسعار البنزين.
وأوضح أن الحكومة ستواصل تقديم دعم جزئي لبعض المنتجات الحيوية، وعلى رأسها السولار وأسطوانات الغاز المنزلي، نظرًا لأثرها المباشر في تكلفة النقل وأسعار السلع.
كما لفت إلى أن الحكومة تعتزم تنفيذ خطة تدريجية لرفع دعم الوقود بالكامل بحلول نهاية عام 2025، مع الاستمرار في تقديم دعم محدود لبعض المنتجات.
زيادات متتالية
لم تكن زيادة أكتوبر هي الأولى خلال العام نفسه.
فقد رفعت الحكومة أسعار الوقود في أبريل 2025 بنحو جنيهين للتر، في خطوة قدرت الحكومة أنها ستوفر نحو 35 مليار جنيه في موازنة السنة المالية 2024-2025.
وبذلك تكون الزيادة الأخيرة هي الثالثة خلال أقل من اثني عشر شهرًا، ما يعكس تسارع وتيرة تعديل الأسعار في سوق الطاقة المحلية.
كما يعكس هذا المسار استمرار الضغوط المالية المرتبطة بتكلفة استيراد الطاقة، في ظل تقلبات الأسواق العالمية وارتباط جزء كبير من سياسة التسعير المحلية بأسعار النفط العالمية وسعر صرف الدولار.








