4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

تفاصيل العدوان الاستيطاني شمال غرب القدس: 40 مستوطناً يستولون على أراضي الفلسطينيين

شرعت مجموعات من المستوطنين المتطرفين، اليوم الأربعاء، في تنفيذ مخطط استيطاني جديد يهدف إلى السيطرة على مساحات واسعة من أراضي بلدة "بيت إكسا"

بقلم: محمد خميس
١١ مارس ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
12 مشاهدة
مستوطنون

مستوطنون

شرعت مجموعات من المستوطنين المتطرفين، اليوم الأربعاء، في تنفيذ مخطط استيطاني جديد يهدف إلى السيطرة على مساحات واسعة من أراضي بلدة "بيت إكسا" الواقعة شمال غرب مدينة القدس المحتلة، في خطوة تأتي تحت حماية مشددة ومباشرة من جيش الاحتلال الإسرائيلي وعناصر الشرطة. 

وأفادت مصادر محلية وشهود عيان من داخل القرية بأن نحو 40 مستوطناً اقتحموا مناطق استراتيجية تُعرف بـ "رأس فريج" و"كروم الغرابة" و"المطاطة"، وهي أراضٍ زراعية تابعة لأهالي البلدة وتعتبر مصدر رزقهم الأساسي. 

ولم يكتفِ المستوطنون بالاقتحام، بل جلبوا معهم أربع شاحنات ضخمة وجرافة عسكرية بدأت فوراً بأعمال تجريف واسعة للتربة واقتلاع للأشجار المعمرة، مع الشروع في نصب منشآت حديدية وبيوت متنقلة تمهيداً لإقامة بؤرة استعمارية جديدة تهدف إلى تغيير الواقع الجغرافي والديموغرافي في المنطقة، وربط المستوطنات القائمة ببعضها البعض لقطع الطريق أمام أي تواصل جغرافي فلسطيني مستقبلي في محيط القدس.

إغلاق الطرق الزراعية وتحويل حياة المزارعين إلى جحيم تحت التهديد

بالتزامن مع عمليات التجريف والبناء، عمد المستوطنون وبدعم من قوات الاحتلال إلى إغلاق كافة الطرق الزراعية والمسالك الوعرة التي يستخدمها المزارعون الفلسطينيون للوصول إلى حقولهم، مما أدى إلى عزل مئات الدونمات من الأراضي المزروعة بالزيتون والكروم.

 ولم يتوقف الأمر عند حدود الإغلاق المادي، بل امتد ليشمل التهديد المباشر بالقتل واستخدام السلاح ضد أي مواطن يحاول الاقتراب من المنطقة أو الاعتراض على سرقة أرضه، وهو ما يعكس حالة الانفلات الاستيطاني المدعوم بقرارات سياسية تهدف إلى طرد الفلسطينيين من أراضيهم عبر سياسة "الإرهاب الميداني". 

هذه الإجراءات تضع أهالي بيت إكسا أمام تحديات معيشية قاسية، حيث يجد المزارع نفسه محروماً من الوصول إلى ملكه الخاص، بينما يشاهد الغرباء وهم يبنون منشآتهم فوق تراب أجداده، في ظل صمت دولي وتواطؤ أمني إسرائيلي يوفر الغطاء الكامل لهذه الجرائم المستمرة التي تضرب عرض الحائط بكافة القوانين والمواثيق الدولية.

الموقع الاستراتيجي لبيت إكسا: مطمع دائم لسياسات العزل والاستيطان

تكتسب قرية بيت إكسا أهمية جيوسياسية فائقة نظراً لموقعها الاستراتيجي المطل على طريق "يافا-القدس" التاريخي، وهو ما جعلها هدفاً دائماً لمخططات الاحتلال الرامية للسيطرة على المرتفعات والمناطق الحاكمة في محيط القدس. 

وتعاني القرية منذ عقود من سياسات العزل الممنهجة، حيث تحاصرها مستوطنات كبرى تنهش أراضيها يوماً بعد يوم، وعلى رأسها مستوطنة "راموت" المقامة على مساحات واسعة من أراضي القرية المصادرة.

 إن الهجمة الاستيطانية الأخيرة تأتي استكمالاً لقرار سلطات الاحتلال الأخير بالمصادقة على بناء 1700 وحدة استيطانية جديدة على أراضي بيت إكسا وقرية لفتا المهجرة، وهو مشروع ضخم يهدف إلى محو الهوية العربية للمنطقة وتحويلها إلى غابة من الأسمنت الاستيطاني، مما سيؤدي في نهاية المطاف إلى خنق القرية تماماً وإلغاء أي إمكانية لتوسعها العمراني أو بقائها ككيان فلسطيني مستقل في تلك المنطقة الحساسة.

السجن الكبير: معاناة السكن خلف جدار الفصل العنصري والحواجز الدائمة

يعيش أهالي بيت إكسا واقعاً مأساوياً يصفه الكثيرون بأنه "سجن كبير"، حيث تعزل سلطات الاحتلال القرية بالكامل خلف جدار الفصل العنصري، وتحيطها بالأسلاك الشائكة والمناطق العسكرية المغلقة. 

ولا يملك سكان القرية، الذين يقدر عددهم بآلاف المواطنين، سوى مخرج ومدخل وحيد يتمثل في حاجز عسكري إسرائيلي دائم يتحكم في كل شاردة وواردة. 

وتفرض سلطات الاحتلال قيوداً تعجيزية على الدخول إلى القرية، حيث يُمنع منعاً باتاً دخول أي شخص لا يحمل هوية القرية الأصلية، بما في ذلك الأقارب من الدرجة الأولى أو الأصدقاء، إلا في حالات استثنائية ونادرة تتطلب تنسيقاً أمنياً معقداً وطويلاً.

 هذا النظام من الفصل العنصري حول الحياة الاجتماعية والاقتصادية في بيت إكسا إلى جحيم، وأدى إلى تفكيك الروابط الأسرية وعزل القرية عن محيطها في القدس والضفة الغربية، مما يجعل من الصمود في هذه الأرض عملاً بطولياً يومياً يقوم به السكان لمواجهة مخططات التهجير الصامت.

مخاطر البؤرة الجديدة على التوازن البيئي والسكاني في شمال القدس

إن إقامة هذه البؤرة الاستيطانية الجديدة في مناطق "رأس فريج" و"كروم الغرابة" لا يهدد فقط الحقوق الملكية للسكان، بل يمثل تهديداً خطيراً للتوازن البيئي والزراعي في المنطقة، حيث تُعرف بيت إكسا بخصوبة تربتها وتنوع محصولاتها.

 إن تجريف هذه الأراضي يعني فقدان مئات الأشجار التي تمثل رمزية تاريخية ووطنية، واستبدالها بمنشآت استيطانية تستهلك الموارد المائية الشحيحة وتلوث البيئة المحلية بمخلفات البناء. 

كما أن وجود المستوطنين المسلحين بشكل دائم في هذه البؤرة سيخلق حالة من الاحتكاك المستمر والاعتداءات اليومية على السكان، وهو تكتيك إسرائيلي معروف يهدف إلى دفع الأهالي للرحيل الطوعي تحت ضغط الخوف وانعدام الأمن.

 وتتخوف المؤسسات الحقوقية من أن تتحول هذه البؤرة "العشوائية" بمقاييس الاحتلال إلى مستوطنة رسمية في غضون أشهر قليلة، كما حدث في العديد من المواقع الأخرى بالضفة الغربية، مما يغلق الدائرة الاستيطانية حول شمال غرب القدس بالكامل.

نداء استغاثة: ضرورة التحرك العاجل لحماية بيت إكسا من الطمس والتهجير

أمام هذا التصعيد الخطير، يطلق أهالي بيت إكسا نداء استغاثة إلى المجتمع الدولي والمؤسسات الحقوقية والسلطة الفلسطينية بضرورة التحرك العاجل لوقف هذه المجزرة الاستيطانية قبل فوات الأوان. 

إن الصمود الذي يظهره المواطنون في مواجهة الجرافات والمستوطنين المسلحين يتطلب إسناداً قانونياً وإعلامياً وسياسياً يرفع الغطاء عن جرائم الاحتلال. 

إن ما يجري في بيت إكسا ليس مجرد سرقة أرض، بل هو جزء من عملية كبرى لطمس الوجود الفلسطيني في القدس وتحويل القرى المحيطة بها إلى مجرد ذكريات معزولة خلف الجدران وإن الدفاع عن بيت إكسا هو دفاع عن ما تبقى من حلم الدولة الفلسطينية وعن عروبة القدس التي تتعرض لأشرس حملة تهويد منذ عام 1967، وهو ما يستدعي تكاتف كافة الجهود الوطنية والدولية لضمان بقاء المواطن الفلسطيني في أرضه وحماية إرثه الزراعي والتاريخي من التبديد تحت عجلات الجرافات الاستيطانية.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال