علق د. سعيد أبو رحمة، الباحث في قضايا الصراع على إعلان وزير جيش الاحتلال في إسرائيل، يسرائيل كاتس، عن إطلاق مناورة برية في جنوب لبنان تحت شعار "جنوب لبنان سيكون كما غزة"، بأنه أكثر من كونه تحركًا عسكريًا روتينيًا، إذ يشير إلى تحوّل واضح في الخطاب العسكري والسياسي الإسرائيلي تجاه الجبهة الشمالية.
وقال أبو رحمة، أن هذا الإعلان لا يحمل مجرد بعد تكتيكي، بل يتضمن رسائل واستراتيجيات معقدة تسعى تل أبيب من خلالها إلى تكريس معادلة ردع جديدة، تقوم على التلويح بتكرار النموذج العسكري الذي طُبق في قطاع غزة، والذي اتسم بعمليات برية واسعة النطاق، واستخدام قوة نارية كثيفة، وتدمير كبير للبنية التحتية، بهدف إضعاف قدرات الفصائل المسلحة وفرض وقائع ميدانية جديدة.
بعد الردع العسكري
ويؤكد الباحث في قضايا الصراع، أنه يمكن قراءة هذه المناورة على أنها رسالة مباشرة إلى حزب الله، مفادها أن إسرائيل مستعدة لنقل مستوى المواجهة في الشمال إلى مرحلة أكثر تصعيدًا إذا استمرت التوترات على الحدود. المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تدرك تمامًا أن الجبهة الشمالية تختلف عن غزة من حيث القدرات العسكرية والتعقيد الميداني، إلا أن التلويح بنموذج غزة يحمل بعدًا نفسيًا وإعلاميًا يستهدف الضغط على البيئة الحاضنة لحزب الله في الجنوب اللبناني، وإظهار استعداد تل أبيب لاستخدام قوة تدميرية واسعة في حال اندلاع مواجهة شاملة.
ويقول أبو رحمة، أن هذا البعد النفسي لا يقل أهمية عن الجانب العسكري، إذ يسعى إلى بث حالة من القلق والتوجس لدى الجماهير اللبنانية، وربما يهدف إلى إعادة صياغة قواعد الاشتباك على الأرض قبل أي مواجهة فعلية، ما يعكس وعيًا إسرائيليًا بحساسية الميدان وتعقيدات المواجهة المحتملة في جنوب لبنان.
إدارة الصراع المزدوج
ويؤكد أبو رحمة، تظهر هذه المناورة أيضًا محاولة إسرائيلية لإدارة الصراع على مستويين متوازيين: الأول عسكري ميداني، ويتمثل في رفع الجاهزية والتدريب على سيناريوهات حرب محتملة في جنوب لبنان، والثاني سياسي ردعي، يسعى إلى توجيه رسالة للمجتمع الدولي مفادها أن استمرار التصعيد على الحدود قد يقود إلى حرب أوسع يصعب احتواؤها. من هذا المنطلق، يمكن فهم المناورة أيضًا كأداة ضغط غير مباشرة على القوى الدولية والإقليمية، لتقييد مسار التصعيد ومنع انزلاقه إلى مواجهة شاملة، بحسب تقارير وسائل إعلام إقليمية.
هذا النوع من المناورات يعكس إدراك تل أبيب أن الضغط النفسي والسياسي يمكن أن يكون مسارًا مكملًا للقدرات العسكرية، إذ يسعى الاحتلال من خلاله إلى فرض واقع يضمن له هامش من المناورة السياسية، حتى قبل أن تبدأ أي مواجهة فعلية على الأرض.
لبنان في السياق الإقليمي المتوتر
يأتي هذا الخطاب الإسرائيلي في وقت إقليمي شديد التوتر، يتداخل فيه أكثر من ملف متشابك، بدءًا من الحرب في قطاع غزة، مرورًا بالتوترات بين إسرائيل ومحور إيران في المنطقة، وصولًا إلى المخاوف من اتساع رقعة المواجهة إلى جبهات متعددة. لذلك، الحديث عن تحويل جنوب لبنان إلى "غزة أخرى" يعكس محاولة إسرائيلية لفرض معادلة ردع استباقية، لكنه في الوقت ذاته يكشف حجم القلق الإسرائيلي من احتمال اندلاع مواجهة واسعة مع حزب الله، وهو سيناريو تدرك تل أبيب أنه سيكون أكثر كلفة وتعقيدًا من أي مواجهة سابقة.
استراتيجية الردع والضغط
من هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى إعلان هذه المناورة على أنه مجرد نشاط عسكري روتيني، بل هو جزء من استراتيجية أوسع لإدارة الصراع الحالي، تقوم على مزيج من الردع العسكري والضغط النفسي والسياسي. ومع ذلك، فإن هذه الاستراتيجية، رغم ما تحمله من رسائل تهديد واضحة، قد تساهم في رفع مستوى التوتر في المنطقة، وتجعل أي محاولة للسيطرة على الأحداث في المرحلة القادمة أكثر صعوبة وتعقيدًا، بحسب تحليلات خبراء عسكريين وإقليميين.
في النهاية، يحمل هذا التحرك الإسرائيلي في جوهره رسالة مزدوجة: الاستعداد العسكري لمرحلة محتملة من التصعيد، ومحاولة فرض واقع سياسي ونفسي على الطرف المقابل، في وقت تتداخل فيه ملفات النزاع الفلسطيني واللبناني والإيراني في معادلات معقدة يصعب فصلها عن بعضها.









