تحدث المحلل السياسي الفلسطيني عزات جمال، في تصريحات خاصة لموقع "180 تحقيقات"، عن الدلالات العميقة التي يحملها عيد الفطر هذا العام بالنسبة للشعب الفلسطيني الصامد في قطاع غزة المحاصر، موضحاً أن الرسالة الأولى والأهم يجب أن تُبرق بآيات التحية والتقدير لهذا الشعب الذي يصر على الحياة الكريمة رغم الواقع المأساوي المفروض عليه.
وأشار جمال إلى أن غزة تعرضت لأبشع صور الإبادة الجماعية والتجويع الممنهج والتطهير العرقي، وهي سياسات هدفت بشكل مباشر إلى دفع الفلسطينيين لترك وطنهم وأرضهم، إلا أن النتائج جاءت مخيبة لآمال الاحتلال؛ حيث رفض الشعب الغزي الرحيل ودفع أثماناً باهظة من دماء أبنائه وبيوته، ضارباً أروع صور البطولة والفداء في التمسك بالحقوق الوطنية الثابتة، مما جعل من صموده أيقونة عالمية تتحدى آلة القتل والدمار التي لم تتوقف عن استهداف الشجر والحجر والبشر في بقعة جغرافية ضاقت بأهلها ولكنها اتسعت بكرامتهم.
عتاب الأشقاء ومرارة الخذلان الرسمي والشعبي
وفي رسالة وجهها للأمتين العربية والإسلامية، لم يخلُ حديث المحلل عزات جمال من همسة عتاب قاسية، مؤكداً أن وجع الخذلان الذي يشعر به الفلسطينيون لا يقل إيلاماً عن وجع الإبادة والتجويع الذي يمارسه الاحتلال.
وشدد جمال في تصريحاته لـ "180 تحقيقات" على أن المطلوب اليوم ليس مجرد بيانات تنديد، بل إطلاق خطة إسناد رسمي وشعبي حقيقية وفاعلة تهدف لرفع الحصار فوراً عن غزة، وإدخال الإمدادات الإنسانية والطبية المطلوبة للسكان المنكوبين، خاصة في ظل اضطرار ما يزيد على مليون إنسان للعيش في مخيمات نزوح تفتقر لأدنى مقومات الحياة الآدمية، واعتبر أن الأمة مطالبة بإصدار مواقف جريئة تُلزم الاحتلال الإسرائيلي بوقف عمليات التصعيد الميداني التي لم تتوقف فعلياً منذ توقيع اتفاق إطلاق النار، والتي تهدف بوضوح إلى مضاعفة معاناة المواطنين ومنعهم من استعادة توازنهم أو إدخال الفرحة على قلوب عائلاتهم المجروحة في أيام العيد.
الحقوق الإنسانية المسلوبة ومعضلة إعادة الإعمار
يرى عزات جمال أن غزة تمر اليوم بأصعب مراحلها التاريخية، وهي بحاجة ماسة وعاجلة لفتح المعابر بشكل دائم والسماح لأهلها بحرية الحركة، وهي أبسط الحقوق التي كفلتها القوانين الدولية ولكنها سُببت من الفلسطيني بقرار سياسي إسرائيلي.
وأوضح جمال أن الواقع الإنساني الصعب جعل أمنية المواطن الغزي تنحصر في "الأمان" وتوفير حياة كريمة لأطفاله، في ظل وصول خط الفقر لمستويات قياسية غير مسبوقة، إضافة إلى شح السلع الغذائية الأساسية من الأسواق وارتفاع أثمانها بشكل جنوني يفوق قدرة الأسر المحطمة اقتصادياً.
إن هذا الواقع المعقد يفرض على القادة العرب والمسلمين اتخاذ قرارات تاريخية لدعم ملف إعادة الإعمار وإغاثة القطاع، فالعيد يأتي والبيوت مهدمة والشوارع ركام، ولا يمكن لغزة أن تنهض من جديد دون ظهير عربي وإسلامي قوي يكسر معادلة الحرمان والتبعية الإجبارية لسياسات الاحتلال التي تخنق معالم الحياة.
حراك الأحرار العالمي وتعرية المشروع الإحلالي
لم ينسَ المحلل السياسي عزات جمال توجيه رسالة شكر وتقدير لكل "إخوان الإنسانية" من شعوب العالم قاطبة، مؤكداً أن الأحرار الذين خرجوا في الميادين أثبتوا أنهم في صف فلسطين وقضيتها العادلة. ووصف جمال الحراك العالمي بأنه كان "بلسماً على القلوب وشفاءً للأرواح"، حيث ساهمت هذه التظاهرات والضغوط الشعبية في فضح زيف الرواية الإسرائيلية وتعرية المشاريع الإحلالية الإجرامية التي تهدف لاقتلاع الفلسطيني من جذوره.
وأضاف أن الشعب الفلسطيني ينتظر من هؤلاء الأحرار المزيد من الدعم والإسناد الإعلامي والقانوني والسياسي، لضمان ملاحقة مجرمي الحرب وعدم السماح لهم بالإفلات من العقاب، مشيراً إلى أن الوعي العالمي الجديد بحقيقة الصراع يمثل مكسباً استراتيجياً للقضية الفلسطينية يجب البناء عليه في مرحلة ما بعد الحرب لضمان استعادة الحقوق المسلوبة.
تكبيرات العيد وواجب الوفاء للتضحيات
وأكد عزات جمال أن تكبيرات العيد في غزة هذا العام لها وقع خاص، فهي تذكر الجميع بضرورة التعالي على الجراح والشموخ في وجه المحن مهما عظمت. وشدد على أن العيد هو فرصة لتعزيز التكافل الاجتماعي ومواساة عوائل الشهداء والجرحى والذين هدمت بيوتهم، وفاءً لتضحياتهم الجسام التي قدموها نيابة عن الأمة.
إن هذا التكاتف الداخلي هو الضمانة الوحيدة لتعزيز الثبات على هذه البقعة المباركة من أرض فلسطين، مشيراً إلى أن قوة الفلسطيني تكمن في قدرته على تحويل الألم إلى أمل، وفي تمسكه بالحياة رغم كل محاولات القتل.
إن رسالة غزة في هذا العيد هي رسالة صمود وثبات، تؤكد من خلالها للعالم أجمع أن هذه الأرض لا تقبل القسمة إلا على أصحابها الشرعيين، وأن الحق الفلسطيني سينتصر في النهاية بفضل هذا الصبر الاستثنائي والدعم الصادق من أحرار العالم.










