4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

الأرجنتين وتحالف "ميلي - ترامب": جدل الدعم العسكري لواشنطن وتحديات الانخراط في صراع هرمز

تشهد الأوساط السياسية والعسكرية في الأرجنتين حالة من الغليان والجدل الواسع عقب التصريحات المثيرة للجدل التي أطلقها مسؤولون في حكومة الرئيس خافيير ميلي

بقلم: محمد خميس
٢٠ مارس ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
6 مشاهدة
لقاء سابق

لقاء سابق

تشهد الأوساط السياسية والعسكرية في الأرجنتين حالة من الغليان والجدل الواسع عقب التصريحات المثيرة للجدل التي أطلقها مسؤولون في حكومة الرئيس خافيير ميلي، والتي ألمحت إلى استعداد بوينس آيرس لتقديم دعم عسكري مباشر للولايات المتحدة في حال طلبت واشنطن ذلك، خاصة في ظل التصعيد الجاري ضد إيران في منطقة الشرق الأوسط، وتأتي هذه التفاعلات لتكشف عن تباين حاد بين الخطاب السياسي الراديكالي الذي يتبناه ميلي، المنسجم تماماً مع توجهات إدارتي واشنطن وتل أبيب.

 وبين التحفظات المؤسساتية العميقة داخل وزارة الدفاع والجيش الأرجنتيني، حيث أكد المتحدث باسم الحكومة، خافيير لاناري، في تصريحات صحفية لجريدة "إل موندو" الإسبانية، أن بلاده لن تتردد في تقديم "أي مساعدة" تراها الولايات المتحدة ضرورية، وهو ما فُهم في الأوساط الدولية كضوء أخضر لمشاركة أرجنتينية محتملة في تأمين الملاحة الدولية بمضيق هرمز أو تقديم تسهيلات لوجستية وعسكرية في مسرح العمليات.

 ورغم تأكيد لاناري على عدم وجود طلب رسمي حتى الآن، إلا أن مجرد طرح الفكرة وضع الأرجنتين في قلب تجاذبات جيوستراتجية لم تعهدها القارة اللاتينية منذ عقود، مما أثار مخاوف من توريط البلاد في نزاع إقليمي عابر للقارات لا تملك أدواته ولا غطاءه القانوني الكافي.

إن هذا التوجه نحو "العسكرة السياسية" للعلاقات الخارجية الأرجنتينية يعكس الرؤية العقائدية للرئيس خافيير ميلي، الذي لم يتردد في إعلان فخره بكونه "الرئيس الأكثر صهيونية في العالم" خلال كلمته الأخيرة في جامعة "يشيفا" بنيويورك في مارس 2026، حيث اعتبر إيران "عدواً" صريحاً للأرجنتين، مشدداً على أن بوينس آيرس باتت جزءاً لا يتجزأ من التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ومع ذلك، تصطدم هذه الطموحات السياسية بواقع عسكري ولوجستي مرير.

 إذ قللت أوساط رفيعة في وزارة الدفاع الأرجنتينية من إمكانية إرسال قطع بحرية أو قوات برية إلى الخليج، مؤكدة أن القوات المسلحة تعاني من مشكلات بنيوية وقيود مالية خانقة تجعل من الانخراط في عمليات حربية بعيدة المدى أمراً مستحيلاً من الناحية التشغيلية، كما أن وزير الخارجية، بابلو كيرنو، حاول احتواء العاصفة الدبلوماسية بالدعوة للتركيز على "الوقائع لا الشائعات"، في إشارة إلى أن الحكومة تدرك تماماً الفجوة بين الخطاب الإعلامي والقدرة على التنفيذ الفعلي على أرض الواقع، خاصة وأن أي قرار بإرسال قوات للخارج يتطلب موافقة دستورية من الكونغرس الأرجنتيني الذي لا يزال يشهد معارضة شرسة لسياسات التبعية المطلقة لواشنطن.

السياسة الخارجية لميلي: من "مجلس السلام" إلى التبعية الاستراتيجية

تندرج هذه التحركات الأرجنتينية ضمن سياق أوسع يتعلق بانخراط بوينس آيرس في "مجلس السلام" الذي أطلقه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حيث يسعى ميلي لتعزيز مكانة بلاده كحليف موثوق لواشنطن في ملفات إقليمية شائكة، بما في ذلك ملف إعادة إعمار غزة والتصدي للنفوذ الإيراني في أمريكا اللاتينية.

 ويرى مراقبون أن ميلي يراهن على هذا التقارب للحصول على دعم مالي من صندوق النقد الدولي وتخفيف وطأة الأزمة الاقتصادية الداخلية، إلا أن المعارضة الأرجنتينية تعتبر أن هذا المسار يضع البلاد في "دائرة الاستهداف" ويجعلها طرفاً في صراعات لا ناقة لها فيها ولا جمل، واصفة التصريحات الحكومية بأنها تعبير عن تبعية سياسية مهينة تضحي بالسيادة الوطنية مقابل وعود أمريكية غير مضمونة، كما أشار المتابعون للشأن العسكري إلى أن أي مغامرة في مضيق هرمز قد تعرض المصالح التجارية الأرجنتينية للخطر وتستدعي ردود فعل من قوى دولية أخرى حليفة لطهران، مما يضع أمن الأرجنتين القومي في مهب الريح نتيجة "اندفاعة" سياسية غير مدروسة العواقب من قبل الرئاسة.

علاوة على ذلك، يثير تقارب ميلي مع "تل أبيب" حساسية خاصة في الداخل الأرجنتيني، بالنظر إلى تاريخ البلاد مع الهجمات الإرهابية التي استهدفت مركز "أميا" والمنشآت اليهودية في التسعينيات، والتي تتهم بوينس آيرس إيران بالوقوف خلفها، وهو ما يستغله ميلي لتبرير خطابه المتشدد، لكن الخبراء القانونيين يؤكدون أن القوانين النافذة تضع قيوداً صارمة على استخدام القوة العسكرية خارج الحدود إلا في حالات الدفاع عن النفس أو تحت مظلة الأمم المتحدة، وهو ما لا ينطبق على السيناريو الحالي في الخليج.

 إن الصراع القائم بين "الأيديولوجيا" و"المؤسساتية" في الأرجنتين لعام 2026 يشير إلى أن البلاد قد تكتفي بتقديم دعم استخباراتي أو سياسي في المحافل الدولية، بينما تظل المشاركة العسكرية الفعلية مجرد "ورقة ضغط" إعلامية يستخدمها ميلي لتعزيز تحالفه مع ترامب، ومع ذلك، تبقى احتمالات التصعيد قائمة إذا ما قررت واشنطن ممارسة ضغوط قصوى على حلفائها اللاتينيين للمشاركة في تأمين ممرات الطاقة العالمية، وهو اختبار حقيقي لمدى صمود المؤسسات الأرجنتينية أمام رغبات الرئاسة المتشددة.

مستقبل التوازن العسكري والسياسي في الأرجنتين 2026

يمثل الجدل حول الدعم العسكري لواشنطن نقطة تحول جوهرية في تاريخ الدبلوماسية الأرجنتينية، التي طالما حاولت الحفاظ على نوع من الحياد أو "عدم الانحياز" في الصراعات الدولية الكبرى، إن رهان خافيير ميلي على التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة وإسرائيل قد يمنحه مكاسب سياسية قصيرة المدى، لكنه يفتح الباب أمام انقسام داخلي عميق وتحديات أمنية غير مسبوقة، فالمؤسسة العسكرية التي تئن تحت وطأة التقشف لا تبدو مستعدة لخوض غمار "حرب الممرات" في الشرق الأوسط، والكونغرس لن يمنح "شيكاً على بياض" لمغامرات عسكرية قد تكلف البلاد غاليا.

وسيبقى عام 2026 عاماً فاصلاً في تحديد هوية الأرجنتين الدولية؛ فإما أن تظل دولة تبحث عن توازنها الإقليمي، أو تتحول إلى "رأس حربة" للسياسات الأمريكية في القارة الجنوبية، مع كل ما يحمله ذلك من مخاطر وتداعيات قد تغير وجه الخريطة السياسية في أمريكا اللاتينية لسنوات طويلة قادمة.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال