لم يمر سوى يوم واحد على الاستقالة المدوية التي قدمها جو كينت، رئيس مكافحة الإرهاب في أمانة الاستخبارات بالبيت الأبيض، حتى ظهر في مقابلة حصرية مع الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون ليفجر سلسلة من المفاجآت التي أعادت رسم المشهد السياسي المرتبط بالحرب الجارية ضد إيران.
كينت، الذي غادر منصبه احتجاجاً على التورط العسكري الأمريكي، أكد صراحة أن الإدارة الأمريكية، وتحديداً الرئيس دونالد ترامب، تعرضت لعملية تضليل ممنهجة قادتها مستويات عليا في المخابرات والحكومة الإسرائيلية بهدف دفع واشنطن نحو المواجهة المسلحة.
وأوضح كينت أن البيانات التي قُدمت لصناع القرار في واشنطن بشأن البرنامج النووي الإيراني كانت مشوهة ومبالغاً فيها، مشدداً على أن المسار الدبلوماسي كان متاحاً وبقوة، وكان بإمكان الرئيس ترامب التوصل إلى اتفاق شامل ينهي الأزمة دون إراقة دماء، إلا أن التدخلات الخارجية حرفت بوصلة القرار الأمريكي عن مصالحه القومية لصالح أجندات إقليمية ضيقة.
نفوذ اللوبي والقدرات الميدانية المحدودة
وفي تحليل جريء لطبيعة التحالفات القائمة، وصف كينت إسرائيل بأنها دولة تمتلك القوة لكنها تظل "صغيرة" من الناحية الجيوسياسية والعسكرية في مواجهة قوى إقليمية كبرى مثل إيران، وهي لا تملك القدرة المنفردة على الإطاحة بالأنظمة أو تغيير الخرائط السياسية في الشرق الأوسط دون ظهير دولي جبار.
ومن هذا المنطلق، يرى كينت أن تل أبيب عمدت إلى استخدام نفوذها القوي داخل الولايات المتحدة، عبر ما وصفه بـ "اللوبي اليهودي القوي والعدواني للغاية"، لزج القوات الأمريكية في أتون حرب لا تخدم المصالح الأمريكية المباشرة.
وأشار المسؤول الاستخباراتي السابق بوضوح إلى أن نجاح هذا الضغط في دفع واشنطن نحو التصعيد العسكري يمثل انتصاراً لتكتيكات الضغط الداخلي على حساب التقييمات الاستخباراتية الموضوعية، وهو ما أدى في نهاية المطاف إلى اندلاع شرارة المواجهة التي بدأت في فبراير الماضي وتطورت إلى صراع مفتوح يهدد الاستقرار العالمي.
تبديد أسطورة القنبلة النووية الوشيكة
من أكثر النقاط إثارة للجدل في شهادة جو كينت كانت نفيه القاطع للمزاعم التي روجت بأن إيران باتت على وشك إنتاج قنبلة نووية، وهي الذريعة الأساسية التي استُخدمت لتبرير الضربات الجوية والعمليات العسكرية.
كينت أكد أن التقييمات الحقيقية، بعيداً عن البروباغندا السياسية، تشير إلى أن طهران لم تكن قريبة من امتلاك السلاح النووي، لا قبل اندلاع الحرب الحالية ولا حتى قبل الضربات الأمريكية المكثفة التي استهدفت المنشآت النووية في يونيو/ حزيران الماضي خلال ما عُرف بـ "حرب الـ 12 يوماً".
وأوضح أن التقارير الاستخباراتية الموثوقة كانت تؤكد استمرار التزام طهران بفتوى دينية أصدرها المرشد الإيراني تعود إلى عام 2004، والتي تحظر بشكل قاطع تطوير أو امتلاك أسلحة دمار شامل، مؤكداً أنه لم يطرأ أي تغيير على هذا الموقف الاستراتيجي الإيراني، ولم تكن هناك أي مؤشرات استخباراتية جادة تدعم ادعاءات الخرق التي استخدمتها إسرائيل لتحريض الإدارة الأمريكية.
تداعيات اغتيال المرشد واستقرار النظام
تناول كينت أيضاً الأثر الاستراتيجي لعمليات الاغتيال الكبرى التي طالت هرم السلطة في إيران، وعلى رأسهم المرشد علي خامنئي، معتبراً أن هذه الخطوات لم تؤدِ إلى النتيجة التي كانت تأملها واشنطن وتل أبيب والمتمثلة في إضعاف النظام أو دفعه نحو الانهيار الوشيك.
بل على العكس تماماً، يرى رئيس مكافحة الإرهاب السابق أن غياب المرشد ساهم في تعزيز موقف التيار المتشدد داخل أروقة الحكم في طهران، وزاد من تماسك القواعد الشعبية والعسكرية حول القيادة الجديدة. وكشف كينت أن دوائر الاستخبارات الأمريكية كانت تدرك أن النظام الإيراني صُمم ليكون قادراً على البقاء والاستمرار حتى في حال فقدان رأسه، وأن الرهان على "قطع الرأس" لإحداث فوضى داخلية كان رهاناً خاسراً ومبنياً على قراءة خاطئة للداخل الإيراني، مما يفسر استمرار طهران في ردودها العسكرية القوية عبر الصواريخ والمسيرات رغم الخسائر البشرية الكبيرة في صفوف قياداتها.
المواجهة العسكرية وانعكاساتها الإقليمية
منذ انطلاق العمليات العسكرية في 28 فبراير/ شباط الماضي، دخلت المنطقة في دوامة من العنف غير المسبوق، حيث أسفر الهجوم المشترك بين الولايات المتحدة وإسرائيل عن مقتل مئات الأشخاص، وهو ما قابله رد إيراني مباشر استهدف العمق الإسرائيلي ومنشآت تعتبرها طهران "مصالح أمريكية" في المنطقة العربية.
وأشار كينت في حديثه إلى أن هذا التصعيد لم يقتصر على الجبهات المباشرة، بل امتد ليطال أعياناً مدنية في دول عربية، مما أدى إلى موجة إدانات دولية وإقليمية واسعة، خاصة وأن بعض الهجمات أسفرت عن ضحايا مدنيين وأضرار جسيمة في ممتلكات دول لم تكن طرفاً مباشراً في الصراع. هذا التمدد في رقعة الحرب، حسب رؤية كينت، هو النتيجة الطبيعية لغياب الرؤية السياسية والاعتماد الكلي على الحلول العسكرية التي فُرضت بضغط من جماعات المصالح، مما جعل الولايات المتحدة طرفاً في حرب استنزاف طويلة الأمد لا يمكن التنبؤ بنهايتها في ظل انسداد أفق الحوار.










