شهدت عدة مدن مغربية، اليوم الجمعة، موجة من الوقفات التضامنية الحاشدة في أول أيام عيد الفطر المبارك لعام 2026، وذلك تنديداً بالقرار الإسرائيلي المفاجئ وغير المسبوق بإغلاق المسجد الأقصى المبارك في وجه المصلين الفلسطينيين.
هذا الحراك الذي انطلق في لحظة زمنية فارقة، عكس مدى الارتباط الوجداني والتاريخي للشعب المغربي بمدينة القدس ومقدساتها، حيث لم تمنع أجواء العيد والاحتفالات الأسرية آلاف المغاربة من الخروج إلى الساحات العامة للتعبير عن غضبهم من السياسات القمعية التي تنتهجها سلطات الاحتلال، والتي وصلت إلى ذروتها بمنع إقامة شعائر صلاة العيد داخل باحات المسجد الأقصى لأول مرة منذ احتلال الشطر الشرقي للمدينة في عام 1967.
ونظمت هذه الوقفات الاحتجاجية تحت إشراف "الهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة"، وشملت رقعة جغرافية واسعة امتدت من أقصى الشمال إلى وسط وغرب المملكة.
ففي مدن المضيق، ومشروع بلقصيري، ومكناس، ومراكش، والرباط، وأكادير، تجمع مئات المشاركين رافعين صور المسجد الأقصى وأعلام فلسطين، ومرددين شعارات قوية تدعم خيار المقاومة وتؤكد على ضرورة كسر الحصار المفروض على المقدسات الإسلامية.
إن هذا التنوع الجغرافي للاحتجاجات يعطي إشارة واضحة على أن القضية الفلسطينية تظل هي "القضية المركزية" التي توحد كافة أطياف الشعب المغربي باختلاف مشاربهم السياسية والاجتماعية.
سابقة تاريخية في القدس المحتلة
تأتي هذه التحركات الشعبية رداً على إجراء إسرائيلي وصفه المراقبون بالخطير جداً، حيث أقدمت قوات الاحتلال على منع آلاف الفلسطينيين من الوصول إلى المسجد الأقصى لإقامة صلاة عيد الفطر، وهو ما لم يحدث طوال عقود من الاحتلال.
هذا المنع لم يكن مجرد إجراء أمني عابر، بل اعتبره الفلسطينيون والمغاربة على حد سواء محاولة لتكريس واقع جديد يهدف إلى عزل المسجد الأقصى تماماً عن محيطه الشعبي والديني.
ورغم الإدانات الرسمية الصادرة عن دول عربية وإسلامية عديدة، إلا أن السلطات الإسرائيلية واصلت تعنتها ورفضت إعادة فتح بوابات المسجد أمام المصلين، مما زاد من حالة الاحتقان الشعبي في المنطقة ككل.
التوترات الإقليمية والذريعة الإسرائيلية
كشفت التقارير أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تذرعت في قرار إغلاق المسجد الأقصى بالكامل بضرورة "منع التجمعات" الكبيرة في ظل الظروف الأمنية المتفجرة بالمنطقة.
وترتبط هذه الإجراءات بشكل مباشر ببدء العدوان الإسرائيلي والأمريكي المشترك على إيران في 28 فبراير/شباط الماضي، وما تلاه من رد إيراني مكثف بالصواريخ الباليستية والمسيرات الانتحارية التي استهدفت العمق الإسرائيلي ومصالح أمريكية في عدة دول عربية.
إن استغلال إسرائيل لهذه الصراعات الإقليمية لفرض قيود مشددة على المسجد الأقصى يعكس رغبتها في تمرير مخططات التهويد والتقسيم الزماني والمكاني تحت غطاء "الضرورات الأمنية".
شعارات التضامن والمطالب الشعبية
خلال الوقفات المغربية، ركز المتظاهرون في شعاراتهم على الربط بين نصرة الأقصى ودعم الصمود الفلسطيني في كافة الميادين.
وطالب المشاركون الحكومات العربية والمجتمع الدولي بالتحرك الفوري للضغط على إسرائيل لإنهاء هذا الإغلاق التعسفي، مؤكدين أن الصمت على هذه الخطوة قد يفتح الباب أمام إجراءات أكثر عدوانية في المستقبل. كما استنكر المحتجون حالة "الازدواجية الدولية" في التعامل مع حقوق الإنسان والحرية الدينية، مشيرين إلى أن حرمان شعب من ممارسة عباداته في أقدس مقدساته هو جريمة تتطلب ملاحقة دولية وعزلاً سياسياً لهذا الكيان المحتل.
دور الهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة
لعبت "الهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة" دوراً محورياً في تنظيم وتأطير هذا الحراك الشعبي، حيث نجحت في تحويل صبيحة العيد إلى منصة للتضامن الكفاحي.
وأكدت الهيئة في بياناتها أن الشعب المغربي سيظل وفياً لعهد القدس، وأن هذه الوقفات هي البداية فقط لسلسلة من التحركات التصعيدية السلمية في حال استمر إغلاق المسجد الأقصى. إن هذا الالتزام المغربي يعكس عمق الجذور التاريخية لـ "حارة المغاربة" في القدس، ويؤكد أن البعد الجغرافي لا يقلل من حجم التفاعل الشعبي مع قضايا الأمة الكبرى، وعلى رأسها قضية المسرى والأسرى.







