أصدر المركز الفلسطيني للدراسات السياسية ورقة تحليلية جديدة وموسعة بعنوان "المسجد الأقصى بين الطوارئ والسياسة: الإغلاق كأداة لإعادة تشكيل الواقع"، حيث تناولت الورقة بالبحث المعمق أبعاد الإجراءات الإسرائيلية الأخيرة المرتبطة بإغلاق المسجد الأقصى المبارك خلال فترة الحرب الإقليمية الدائرة.
وتأتي هذه الدراسة اليوم الجمعة لتقدم قراءة استراتيجية للانعكاسات المحتملة لهذه السياسات على مستقبل الوضع التاريخي والقانوني القائم (Status Quo) في الحرم القدسي الشريف. وتشير الورقة بوضوح إلى أن الإغلاقات المتكررة، التي تُقدَّم رسمياً من قبل سلطات الاحتلال باعتبارها "تدابير أمنية مؤقتة" تقتضيها ظروف الطوارئ، قد تتحول وفق التجربة التاريخية المريرة في القدس إلى ممارسات إدارية دائمة تهدف إلى إعادة تنظيم الوصول للمسجد وفرض واقع جديد بشكل تدريجي وممنهج.
وتستند الدراسة في خلاصاتها إلى قراءة تحليلية دقيقة لمسار السياسات الإسرائيلية على مدار السنوات الماضية، موضحة أن تكرار الإجراءات الاستثنائية يسهم في "تطبيعها" سياسياً وإدارياً مع مرور الوقت، حتى تصبح جزءاً من الواقع المقبول دولياً وميدانياً.
كما تسلط الورقة الضوء على الدور المتصاعد للتيارات القومية الدينية المتطرفة داخل الحكومة والسياسة الإسرائيلية، والتي تدفع بقوة نحو تغيير قواعد إدارة المسجد الأقصى، مستغلة في ذلك انشغال العالم بالأزمات الإقليمية الكبرى وتراجع مستوى الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية نتيجة الصراعات المشتعلة، وهو ما يفتح المجال واسعاً أمام تحولات بنيوية وعميقة في طبيعة السيطرة السيادية على المكان المقدس، بما يخدم الرواية والمخططات التهويدية بعيدة المدى.
مخاطر المساس بالوضع القائم وتداعياته
تحذر الدراسة الصادرة عن المركز من أن المساس بالوضع القائم في المسجد الأقصى لا يقتصر تأثيره على البعد الديني فحسب، بل يحمل في طياته تداعيات سياسية وأمنية واسعة النطاق على استقرار مدينة القدس والساحة الفلسطينية عموماً.
وتؤكد الورقة أن المكانة الرمزية المركزية التي يمثلها المسجد الأقصى في الوعي الوطني الفلسطيني تجعل من أي إجراء يستهدفه شرارة محتملة لانفجار الأوضاع ميدانياً.
فالمسجد ليس مجرد دار للعبادة، بل هو عنوان للهوية والسيادة الوطنية، وبالتالي فإن سياسة العزل الممنهجة التي تتبعها إسرائيل منذ 28 شباط/ فبراير الماضي تهدف في جوهرها إلى فك الارتباط بين الفلسطيني ومقدساته، وهو ما تعتبره الدراسة مقامرة أمنية إسرائيلية قد تؤدي إلى انهيار التفاهمات الهشة التي حافظت على هدوء نسبي في الفترات السابقة.
السيناريوهات المستقبلية لإدارة الحرم القدسي
تقدم الورقة التحليلية مجموعة من السيناريوهات المستقبلية القاتمة، والتي تتراوح بين تكرار الإغلاق بصورة ظرفية متقطعة بما يؤدي إلى تطبيعه تدريجياً في الذاكرة الجمعية، أو الانتقال الكلي نحو "إدارة أمنية أكثر تشددًا".
في هذا السيناريو الأخير، تتحول حرية الوصول إلى المسجد من حق طبيعي ومكفول بموجب القوانين الدولية إلى إجراء مشروط باعتبارات أمنية دائمة تضعها سلطات الاحتلال، مما يعني عملياً تحويل المسجد الأقصى إلى ثكنة عسكرية تُفتح وتُغلق بقرار أمني محض، وهو ما يمهد الطريق للتقسيم المكاني والزماني بشكل معلن ورسمي تحت ذريعة "تخفيف الاحتكاك" أو "الحفاظ على الأمن العام" خلال فترات التوتر الإقليمي.
محافظة القدس: سابقة خطيرة وانتهاك غير مسبوق
في سياق متصل، أكدت محافظة القدس التابعة للسلطة الفلسطينية في بيان صادر عنها يوم أمس الخميس، أن استمرار إغلاق المسجد الأقصى وعدم تمكن الفلسطينيين من أداء صلاة عيد الفطر في باحاته يمثل "تصعيداً خطيراً وغير مسبوق".
وشددت المحافظة على أن هذا المنع يعد انتهاكاً صارخاً لحرية العبادة وللوضع القانوني والتاريخي القائم في المدينة المقدسة منذ عقود.
وأوضحت المحافظة أن حرمان المصلين من صلاة العيد يمثل سابقة هي الأولى من نوعها، وتأتي في سياق سياسة ممنهجة تهدف إلى فرض وقائع جديدة وعزل المسجد الأقصى عن محيطه الفلسطيني والإسلامي، مستغلة الظروف الدولية الاستثنائية لتمرير ما كان يعتبر في السابق "خطوطاً حمراء" لا يمكن تجاوزها.
قدم المركز الفلسطيني للدراسات السياسية مجموعة من التوصيات العملية الرامية لمواجهة هذه التحولات؛ حيث شددت على ضرورة التوثيق المنهجي لكافة الانتهاكات الإسرائيلية، وتفعيل المسارات القانونية والدبلوماسية في المحافل الدولية لإبراز مخاطر تحويل الإجراءات الاستثنائية إلى واقع دائم.
كما دعت الدراسة إلى تعزيز الحضور الفلسطيني الميداني في المسجد الأقصى بشتى الوسائل، وتطوير خطاب إعلامي وقانوني موحد يخاطب العالم بلغة الحقوق الدولية والحرية الدينية.
إن الهدف من هذه الورقة، كما يوضح المركز، هو تقديم فهم سياقي وتحليل استراتيجي يدعم صناع القرار والباحثين في التصدي للمخططات التي تستهدف تصفية الوجود الفلسطيني في القدس المحتلة وإعادة تعريف هوية المكان المقدس وفق الرؤية الإسرائيلية.










