4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

وقود الحرب: كيف تحرق المواجهة مع إيران جيوب الأمريكيين؟

أدت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران إلى قفزة حادة في أسعار البنزين داخل أمريكا، حيث ارتفعت بنحو 33% خلال ثلاثة أسابيع فقط

بقلم: سماح عثمان
٢١ مارس ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
14 مشاهدة
كيف تحرق المواجهة مع إيران جيوب الأمريكيين؟

كيف تحرق المواجهة مع إيران جيوب الأمريكيين؟

أدت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران إلى قفزة حادة في أسعار البنزين داخل أمريكا، حيث ارتفعت بنحو 33% خلال ثلاثة أسابيع فقط، مضيفة قرابة دولار كامل إلى سعر الغالون، بحسب ما أوردته صحيفة "واشنطن بوست". ويعكس هذا الارتفاع السريع هشاشة سوق الطاقة أمام التوترات الجيوسياسية، خاصة عندما تكون أطراف الصراع من كبار اللاعبين في سوق النفط العالمي.

وقد بلغ متوسط سعر البنزين هذا الأسبوع نحو 3.91 دولار للغالون، وهو أعلى مستوى يُسجَّل منذ ما يقارب أربع سنوات، في مؤشر واضح على أن تداعيات الحرب لم تقتصر على ساحات القتال، بل امتدت مباشرة إلى حياة المواطن الأمريكي اليومية، لتؤثر في تكلفة التنقل والمعيشة بشكل ملحوظ.

اضطراب تاريخي في الإمدادات

وصفت وكالة الطاقة الدولية هذه الحرب بأنها "أكبر اضطراب في الإمدادات في تاريخ سوق النفط العالمي"، وهو توصيف يعكس حجم التأثير العميق الذي أحدثته المواجهة في توازنات العرض والطلب. هذا الاضطراب لا يبدو عابرًا، بل يشير إلى أزمة ممتدة قد تستمر آثارها لفترة طويلة.

ويرى معظم الخبراء أن الأسعار لن تنخفض في المدى القريب، بل يتوقعون أن يصل متوسط سعر البنزين العادي إلى 4 دولارات للغالون خلال الأسابيع المقبلة، وهو ما بات أقرب إلى اليقين. وفي هذا السياق، قال باتريك دي هان، محلل البترول في GasBuddy، إن المسألة لم تعد "إذا" سترتفع الأسعار، بل "متى" ستبلغ مستويات أعلى.

تفاوت قاسٍ بين الولايات

تختلف أسعار البنزين بشكل كبير بين الولايات الأمريكية، إذ يبلغ المتوسط الوطني نحو 4 دولارات، بينما ترتفع الأسعار في ولايات مثل كاليفورنيا لتصل إلى 5.79 دولار للغالون، في حين تنخفض إلى نحو 3.34 دولار في ولايات مثل كانساس. ويعود هذا التفاوت إلى اختلاف الضرائب والرسوم المحلية، إضافة إلى نوعية الوقود والمسافة من مصافي التكرير.

ولا يستبعد الخبراء أن يصل متوسط السعر إلى 5 دولارات للغالون لاحقًا خلال هذا العام، وهو مستوى لم يُسجَّل إلا لفترة وجيزة في يونيو 2022. مثل هذا السيناريو من شأنه أن يفاقم الضغوط الاقتصادية على الأسر الأمريكية، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة عمومًا.

صناعة السيارات في مأزق

يمتد تأثير ارتفاع أسعار الوقود إلى قطاع صناعة السيارات، حيث يهدد بشكل خاص الشركات الأمريكية التي تعتمد بشكل أكبر على إنتاج المركبات الكبيرة ذات الاستهلاك المرتفع للوقود. ووفقًا لتحليل أجرته صحيفة "واشنطن بوست" استنادًا إلى بيانات حكومية، فإن شركات السيارات الأمريكية تمتلك من بين أقل الأساطيل كفاءة في استهلاك الوقود على الطرق.

وتُظهر طرازات عام 2026 من شركات مثل رام، دودج، جي إم سي، وشيفروليه معدلات استهلاك وقود أسوأ من معظم العلامات التجارية، باستثناء عدد محدود من السيارات الفاخرة مثل فيراري ورولز رويس. هذا الواقع يجعل هذه الشركات أكثر عرضة لصدمات أسعار البنزين، ويضعها في موقف تنافسي أضعف مقارنة بنظيراتها الأوروبية والآسيوية.

خيارات المستهلك المقيّدة

على مدى السنوات الماضية، اتجهت الشركات الأمريكية إلى تقليص إنتاج السيارات الصغيرة والاقتصادية، والتركيز بدلاً من ذلك على سيارات الدفع الرباعي والشاحنات، استجابة لرغبات المستهلك الأمريكي. إلا أن هذا التوجه أصبح الآن عبئًا مع ارتفاع أسعار الوقود، حيث يجد المستهلك نفسه محصورًا في خيارات أكثر كلفة من حيث الشراء والتشغيل.

وقد ساهم هذا التحول في تجاوز متوسط سعر السيارة الجديدة حاجز 50 ألف دولار، مع اختفاء شبه كامل للسيارات الاقتصادية التي كانت تُباع بنحو 20 ألف دولار. وتزداد أزمة القدرة على تحمل التكاليف تعقيدًا مع استمرار شح سوق السيارات المستعملة وارتفاع أسعارها، ما يترك المستهلك أمام خيارات محدودة ومكلفة.

فاتورة إضافية للسائقين

يكشف تحليل الصحيفة عن حجم العبء المالي الذي يتحمله السائقون نتيجة ارتفاع أسعار البنزين، حيث يواجه مالكو السيارات الأقل كفاءة في استهلاك الوقود، خاصة من العلامات الأمريكية مثل رام وجي إم سي ودودج، زيادة سنوية في تكاليف الوقود تتراوح بين 770 و800 دولار مقارنة بما قبل اندلاع الحرب.

وقد بدأ السائقون في التعبير عن استيائهم بشكل واسع، خصوصًا على منصات التواصل الاجتماعي، حيث شارك البعض صورًا لأسعار الوقود المرتفعة بشكل لافت. وذكر أحد مالكي سيارات رام في تكساس أنه تجنب ملء خزان الوقود بالكامل بعدما فوجئ بتكلفة تعادل قسطًا عقاريًا، بينما أشار آخرون إلى أنهم باتوا يقللون من استخدام سياراتهم أو يعتمدون على مركبات أخرى داخل الأسرة.

سياسات ترامب تحت المجهر

يحمل هذا التصاعد في الأسعار أبعادًا سياسية، خاصة في ظل سياسات الرئيس الحالي دونالد ترامب، الذي كان قد دعم التوجه نحو المركبات الأكبر والأكثر استهلاكًا للوقود، وأضعف الجهود الفيدرالية الرامية إلى تحسين كفاءة استهلاك الطاقة. كما قامت إدارته بتخفيف القيود التنظيمية على قطاع السيارات، بما في ذلك تقليص متطلبات كفاءة الوقود.

وشمل ذلك إنهاء برنامج الإعفاءات الضريبية للمركبات الكهربائية في سبتمبر، وإعادة ضبط معايير كفاءة الوقود بأهداف أقل صرامة، إضافة إلى توجه وكالة حماية البيئة لتخفيف الضغوط التنظيمية على الشركات المصنعة. هذه السياسات، التي هدفت إلى دعم الصناعة وتقليل القيود، تبدو اليوم وكأنها تزيد من حدة الأزمة في ظل ارتفاع أسعار الوقود.

تناقض الخطاب والواقع

يثير ارتفاع أسعار البنزين في عهد ترامب مفارقة لافتة، خاصة أنه لطالما تباهى بانخفاضها. وقد أشار باتريك دي هان إلى أن هذا الارتفاع "محير"، بالنظر إلى الخطاب السياسي الذي ركز على جعل الوقود في متناول الجميع.

وقبل أيام قليلة من قصف إيران، كان ترامب قد صرّح في خطابه عن حالة الاتحاد بأن أسعار البنزين كانت "كارثية" خلال عهد جو بايدن، مؤكدًا أنها انخفضت إلى أقل من 2.30 دولار للغالون في معظم الولايات. بل ذهب إلى حد القول إنه شاهد أسعارًا تصل إلى 1.85 دولار للغالون في ولاية أيوا، معتبرًا ذلك أدنى مستوى منذ أربع سنوات، في تصريحات تعكس فجوة واضحة بين الخطاب السياسي والواقع الاقتصادي المتغير.

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

وقود الحرب: كيف تحرق المواجهة مع إيران جيوب الأمريكيين؟ - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°