أعلن الحرس الثوري الإيراني رسمياً تنفيذ الموجة رقم 73 من عمليات "الوعد الصادق 4"، في خطوة تمثل ذروة التصعيد العسكري ضمن المواجهة المستمرة في شهر مارس 2026.
وأكدت البيانات العسكرية الصادرة عن طهران أن هذه الموجة لم تكن مجرد رد فعل تقليدي، بل كانت عملية استراتيجية واسعة النطاق استهدفت بشكل مباشر "الكيان الصهيوني" بالإضافة إلى قواعد عسكرية تابعة للولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة.
ويأتي هذا الإعلان في وقت تشهد فيه المنطقة حالة من الاستنفار القصوى، حيث اعتبر مراقبون أن الموجة 73 هي الأكثر فتكاً وتطوراً من الناحية التقنية، نظراً لاستخدام مزيج من الصواريخ الباليستية والمسيرات الانتحارية التي نجحت في تجاوز طبقات الحماية الجوية المتعددة.
هذا التحول يشير بوضوح إلى أن طهران قررت نقل المعركة إلى مستويات غير مسبوقة، مستهدفةً مراكز الثقل العسكري والنووي في جنوب الأراضي المحتلة، مما يضع أمن إسرائيل الاستراتيجي أمام اختبار تاريخي هو الأصعب منذ عقود.
إن اختيار الحرس الثوري لتوقيت وكثافة النيران في الموجة 73 يعكس رغبة واضحة في إحداث صدمة أمنية وسياسية داخل إسرائيل وحلفائها. فالهجوم الذي طال قواعد أمريكية بالتزامن مع استهداف المدن الجنوبية، يبعث برسالة قوية مفادها أن أي رد فعل عسكري قادم سيواجه بردود مضاعفة تشمل كافة الأطراف المنخرطة في الصراع.
وتشير التقارير الميدانية إلى أن هذه الموجة تسببت في حالة من الذعر والارتباك داخل غرف القيادة والسيطرة الإسرائيلية، حيث فشلت أنظمة الاعتراض في التعامل مع الحجم الهائل للمقذوفات التي انطلقت من منصات متعددة.
هذا الإعلان الإيراني يضع المجتمع الدولي أمام حقيقة جديدة، وهي أن قواعد الاشتباك القديمة قد تلاشت تماماً، وأننا أمام مرحلة "كسر العظم" التي قد لا تنتهي إلا بتغيير جذري في خارطة التوازنات الإقليمية، خاصة مع وصول الضربات إلى مناطق كانت تُعد محصنة تماماً تحت مظلة الردع الأمريكية والإسرائيلية المشتركة.
أهداف العمق الاستراتيجي في الجنوب
تركزت الموجة 73 من عملية "الوعد الصادق 4" على ضرب أهداف حيوية في جنوب الأراضي المحتلة، شملت مناطق ديمونة وعراد وبئر السبع وكريات غات.
ويعد استهداف ديمونة، التي تضم المفاعل النووي الإسرائيلي، التطور الأخطر في هذا الهجوم، حيث أكد الحرس الثوري أن الصواريخ أصابت أهدافها بدقة عالية، مما أدى إلى دوي انفجارات هائلة سُمعت أصداؤها على مسافات بعيدة.
كما تعرضت مدينة عراد وبئر السبع، وهما من أكبر المراكز الحضرية والعسكرية في النقب، لضربات مباشرة أدت إلى دمار واسع في البنية التحتية والمباني السكنية.
وأوضحت المصادر أن اختيار هذه المدن لم يكن عشوائياً، بل استهدف شل حركة الإمداد العسكري وضرب الروح المعنوية في الجبهة الداخلية الإسرائيلية، وتحويل الجنوب إلى ساحة مواجهة مباشرة تفقد فيها إسرائيل ميزتها الجغرافية والأمنية التي طالما تفاخرت بها أمام العالم.
وفقاً لبيانات الحرس الثوري، فإن الموجة 73 أسفرت عن خسائر بشرية ومادية فادحة، حيث قُدر عدد القتلى والمصابين بأكثر من 200 شخص في جنوب الأراضي المحتلة. هذه الحصيلة الثقيلة تعكس قوة الرؤوس الحربية المستخدمة وقدرتها التدميرية العالية، خاصة في ظل تقارير تتحدث عن انهيار كامل في بعض أنظمة الدفاع الجوي التي لم تصمد أمام الهجوم المركب.
وأكد الحرس الثوري أن الانهيار الأمني الذي حدث في مناطق الاستهداف هو نتيجة طبيعية للتطور التكنولوجي في سلاح الجو والفضاء الإيراني، الذي استطاع ابتكار طرق للتشويش على الرادارات الإسرائيلية والأمريكية على حد سواء.
إن وصول الصواريخ إلى كريات غات وعراد وبقائها في الأجواء لفترات مكنتها من اختيار الأهداف بدقة، يمثل انتصاراً دعائياً وعسكرياً كبيراً لإيران، في حين يترك إسرائيل تواجه أزمة إنسانية وعسكرية متفاقمة في مدن الجنوب التي تحولت إلى مدن أشباح بفعل القصف المتواصل.
استخدم الحرس الثوري الإيراني في هذه العملية ترسانة من أحدث ما أنتجته الصناعات العسكرية الإيرانية، وعلى رأسها صواريخ "فتاح" الفرط صوتية، وصواريخ "عماد" و"قدر" الباليستية، بالإضافة إلى أسراب من المسيرات الهجومية الانتحارية.
وتتميز صواريخ "فتاح" بقدرتها العالية على المناورة خارج وداخل الغلاف الجوي، مما يجعل اعتراضها من قبل منظومات مثل "حيتس" أو "باتريوت" أمراً شبه مستحيل.
أما صواريخ "عماد" و"قدر"، فقد أثبتت كفاءتها في الوصول إلى المديات البعيدة وحمل رؤوس حربية ثقيلة قادرة على تدمير التحصينات العسكرية والملاجئ. هذا التنوع في الوسائل الهجومية أتاح لإيران تنفيذ هجوم متزامن ومتقاطع، حيث تقوم المسيرات بإشغال الدفاعات الجوية واستنزاف صواريخ الاعتراض، بينما تمر الصواريخ الباليستية والفرط صوتية لتصيب أهدافها الاستراتيجية في العمق دون أي عوائق تذكر.
إن دمج الصواريخ بعيدة المدى مع المسيرات الهجومية في الموجة 73 يعكس استراتيجية "إغراق الأهداف" التي تتبعها طهران، وهي استراتيجية تهدف إلى إنهاك العدو تقنياً ومالياً.
فتكلفة صاروخ الاعتراض الواحد تتجاوز أضعاف تكلفة الصاروخ المهاجم، وهو ما يضع إسرائيل أمام استنزاف اقتصادي حاد بالتوازي مع الخسائر الميدانية.
وأشار الحرس الثوري إلى أن الصواريخ المستخدمة تم تزويدها بأنظمة توجيه متطورة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتجنب مناطق الكثافة الدفاعية، وهو ما يفسر وصول الإصابات إلى قلب مناطق سكنية وعسكرية حساسة في آن واحد.
هذا التطور يثبت أن الحرس الثوري قد انتقل من مرحلة التجارب إلى مرحلة التنفيذ الفعلي لسلسلة من الأسلحة التي كانت تُصنف حتى وقت قريب كتهديدات مستقبلية، مما يجعل من الموجة 73 نقطة تحول تقني وعسكري في تاريخ المواجهات الإقليمية بين القوى الكبرى وصناع القرار في طهران.










