شهدت الساحة الفلسطينية تصعيداً خطيراً وجديداً في سياسات الاحتلال الإسرائيلي الرامية إلى محاصرة الرواية الوطنية الفلسطينية وتغييب الوعي الجمعي، حيث أقدمت قوات الاحتلال اليوم الإثنين على اعتقال الكاتبة والصحفية البارزة لمى خاطر من منزلها في الضفة الغربية المحتلة، في خطوة اعتبرها مراقبون وحقوقيون جزءاً من حملة مسعورة تستهدف القيادات الفكرية والإعلامية التي تتبنى قضايا الشعب الفلسطيني بجرأة ووضوح.
إن هذا الاعتقال لا يمثل مجرد إجراء أمني عابر، بل هو انعكاس لضيق صدر المنظومة الاحتلالية بالكلمة الحرة التي تفضح مخططات الاستيطان والتهويد المتسارعة في مدن وقرى الضفة، خاصة في ظل الظروف الراهنة التي تمر بها القضية الفلسطينية من محاولات تصفية ممنهجة، مما يجعل من وجود أقلام واعية مثل قلم لمى خاطر يشكل تهديداً مباشراً للرواية الإسرائيلية الزائفة التي تحاول تجميل وجه الاحتلال القبيح أمام المجتمع الدولي الذي لا يزال يقف عاجزاً عن حماية الصحفيين وضمان سلامتهم أثناء ممارسة مهنتهم المقدسة.
أصدرت "كتلة الصحفي الفلسطيني" بياناً شديد اللهجة أدانت فيه هذا السلوك الإجرامي، مؤكدة أن اعتقال خاطر يندرج ضمن سياسة "تكميم الأفواه" الممنهجة التي يتبعها الاحتلال ضد كل من يجرؤ على كشف الحقائق الميدانية، مشددة على أن هذا الاستهداف ليس موجهاً لشخص الكاتبة فحسب، بل هو رسالة تهديد مبطنة لكل الجسم الصحفي الفلسطيني في الضفة الغربية والقدس المحتلة.
وأوضحت الكتلة أن الاحتلال يسعى من خلال هذه الاعتقالات إلى خلق حالة من الفراغ الإعلامي في المناطق التي تشهد تصعيداً في عمليات المصادرة والهدم والاعتداءات الاستيطانية، لضمان عدم وصول الصورة الحقيقية لما يجري من جرائم يومية بحق الأرض والإنسان، معتبرة أن لمى خاطر كانت وما زالت صوتاً وطنياً صلباً لا تلين عزيمتها أمام التهديدات، وهو ما دفع الاحتلال إلى اللجوء لخيار الاعتقال التعسفي في محاولة فاشلة لإسكات قلمها الذي طالما كان نصيراً للمقاومة ومدافعاً عن الثوابت الوطنية الأصيلة.
منهجية الاستهداف الإسرائيلي للصحفيين
إن تحليل سياق الاعتقالات المتكررة في صفوف الإعلاميين الفلسطينيين يكشف عن استراتيجية إسرائيلية ثابتة تقوم على مبدأ "التعتيم الشامل" عبر ملاحقة الكوادر الإعلامية المؤثرة ومنعها من التواصل مع الجمهورين المحلي والدولي، حيث ترى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية في الكلمة الحرة سلاحاً لا يقل خطورة عن العمل الميداني نظراً لقدرتها على حشد الجماهير وتوثيق الانتهاكات بالصوت والصورة والتحليل المعمق.
وتأتي عملية اعتقال الكاتبة لمى خاطر في وقت حساس جداً، حيث يسعى الاحتلال لفرض سيطرته الكاملة على مناطق واسعة في الضفة الغربية وتمرير مخططات الضم الصامت، وهي الملفات التي دأبت خاطر على تسليط الضوء عليها في مقالاتها وتقاريرها الصحفية، مما جعلها هدفاً دائماً للملاحقة والاستدعاءات المتكررة والاعتقال الذي يهدف بالدرجة الأولى إلى كسر الإرادة الفكرية لدى النخبة الفلسطينية التي ترفض الخضوع لإملاءات الاحتلال أو الرقابة العسكرية الظالمة التي تفرض قيوداً تعسفية على حرية النشر والتعبير.
وترى أوساط إعلامية أن هذا التغول الإسرائيلي على حقوق الصحفيين هو نتيجة طبيعية للصمت الدولي المطبق وغياب المحاسبة الجنائية لقادة الاحتلال الذين يضربون بعرض الحائط كافة المواثيق والقوانين الدولية، بما في ذلك قرار مجلس الأمن رقم 2222 الخاص بحماية الصحفيين، فضلاً عن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي كفل حرية الرأي والتعبير كحق أصيل لا يجوز المساس به تحت أي ذريعة أمنية واهية.
إن اعتقال لمى خاطر يضع المؤسسات الحقوقية الدولية والاتحادات الصحفية العالمية أمام اختبار حقيقي لمصداقيتها، فالمطلوب اليوم ليس مجرد بيانات استنكار خجولة، بل تحرك فعلي وقانوني للضغط على سلطات الاحتلال للإفراج الفوري عن كافة الصحفيين المعتقلين في السجون الإسرائيلية، وتوفير حماية دولية ميدانية تمنع تكرار مثل هذه الانتهاكات التي تهدف إلى عزل الشعب الفلسطيني عن العالم الخارجي وتحويل الضفة الغربية إلى سجن كبير بعيد عن أعين الكاميرات وأقلام الصحفيين.
دور الكلمة الحرة في مواجهة التضليل
بالرغم من كل محاولات القمع والتنكيل، تظل الكلمة الفلسطينية الحرة عصية على الانكسار، حيث أثبتت التجارب التاريخية أن اعتقال الصحفيين لا يؤدي إلا إلى زيادة إصرار زملائهم على مواصلة المسيرة وفضح ممارسات الاحتلال بمزيد من الإبداع والمهنية، وهذا ما أكدت عليه كتلة الصحفي الفلسطيني في ختام بيانها بأن الحقيقة لن تموت وأن صوت الحق سيبقى أعلى من صوت الرصاص وقيود السجان.
إن المسيرة المهنية للكاتبة لمى خاطر هي نموذج للتحدي والصمود، فقد واجهت سابقاً سنوات من الاعتقال والملاحقة والتضييق على لقمة عيشها، ومع ذلك استمرت في كتابة المقالات التي تعبر عن نبض الشارع وهموم المواطن المكلوم، وهو ما يفسر هذا الالتفاف الشعبي والإعلامي الواسع حول قضيتها اليوم، حيث يعتبرها الكثيرون رمزاً للمثقف المشتبك الذي يرفض الانعزال في الأبراج العاجية ويختار أن يكون في قلب المواجهة مدافعاً عن حقوق شعبه المظلوم بكل ما أوتي من قوة المنطق وبلاغة التعبير.
وفي ظل هذا الواقع المعقد، يتوجب على كافة الأطر الصحفية والفعاليات الوطنية تعزيز الوحدة المهنية وتشكيل جبهة إعلامية موحدة قادرة على مواجهة ماكينة الدعاية الإسرائيلية الضخمة، والعمل على تدويل قضية اعتقال الصحفيين لتصبح بنداً دائماً على أجندة المنظمات الدولية، لأن السكوت عن اعتقال لمى خاطر سيعطي الضوء الأخضر للاحتلال لمزيد من التنكيل بجسم الصحافة الفلسطينية الذي قدم مئات الشهداء والجرحى والأسرى في سبيل نقل رسالة فلسطين إلى العالم.
إن المعركة اليوم هي معركة الرواية، والاحتلال يدرك جيداً أن خسارته في ميدان الأخلاق والحقيقة هي بداية نهايته، ولذلك يستميت في محاولات تغييب الرموز الإعلامية المؤثرة، لكن الوعي الفلسطيني المتجذر كفيل بإسقاط هذه الرهانات، وستبقى لمى خاطر وزملاؤها المنارات التي تضيء ليل الضفة الغربية مهما بلغت ظلمة السجون وعنجهية الجلاد، وستظل الحقيقة هي المنتصرة في نهاية المطاف.










