حاورها: مشتاق الربيعي
من ضفاف دجلة والفرات، حيث تولد الأساطير وتزهر الفنون، تنبثق ريشة الفنانة التشكيلية المبدعة ريم طه، لترسم لنا عوالم تتجاوز حدود الواقع وتفتح نوافذ على الحلم. لم تكن رحلتها مجرد ضربات فرشاة على قماش صامت، بل كانت "هندسة للتأثير" وقصائد بصرية تحاكي الوجدان الإنساني بأسلوب فريد.

في هذا الحوار الخاص لـ "180 تحقيقات"، نغوص في أعماق تجربة ريم طه، التي استطاعت بسحر "فراشتها" الملونة أن تنقل الفن التشكيلي العراقي إلى المحافل الدولية، متجاوزةً العثرات لتصنع بصمةً لا تشبه أحداً سواها، نرافقها من خربشات الطفولة الأولى في أزقة بغداد، وصولاً إلى معارضها التي طافت عواصم العالم، لنكتشف كيف يصنع الفنان نفسه بنفسه في زمن التحديات الكبرى.
كيف كانت بدايتك مع الرسم؟ وفي أي سن كانت الانطلاقة؟ وهل تلقيتِ دعماً من العائلة أم واجهتِ صعوبات؟
بدأت رحلتي مع الرسم منذ الطفولة، حيث كنت أتابع أعمال الأستاذ خالد جبر، وأحاول تقليد أسلوبه لأتعلم القواعد الأساسية للرسم، كانت انطلاقتي الحقيقية في الصف الرابع الابتدائي، إذ شاركت في المهرجانات المدرسية السنوية على مستوى بغداد، وحصلت على العديد من شهادات التقدير تقديراً لمشاركتي.
كانت البداية بخربشات عشوائية تُشكّل خطوطاً دائرية وأشكالاً هندسية وخطوطاً متداخلة تشبه المتاهات على الورق، ثم تطورت تدريجياً إلى رسم أشكال بسيطة وأكثر تعقيداً. بدأت باستخدام ألوان بسيطة كالطباشير وألوان الباستيل والخشبية والمائية، وكنت أحياناً أرسم على وجهي أكثر من الورق. مع مرور الوقت أصبحت رسوماتي أكثر دقة، وانتقلت إلى رسم الطبيعة الصامتة (Still Life)، ثم رسم الموديل باستخدام قلم الرصاص.

شاركت خلال المراحل الابتدائية والمتوسطة والثانوية في العديد من الأنشطة المدرسية، وحصلت على شهادات تقديرية وجوائز متعددة، مما ساهم في صقل موهبتي وتنمية مهاراتي الحركية والتنسيق البصري. في البداية لم أتلقَّ دعماً كافياً، لكن مع مرور الوقت بدأ المحيطون بي يبدون إعجابهم بلوحاتي ويقدمون لي التشجيع.
هل كان الرسم لديكِ فطرياً، أم تلقيتِ إرشادات من فنان أو فنانة في البداية؟
كان الرسم في بدايتي فطرياً، ولم أكن ملتزمة بالقواعد والأسس الأكاديمية. كنت أستمد أفكاري من خيالي، فكلما استمعت إلى الموسيقى تولدت في ذهني قصص وحكايات، فتنبثق الفكرة وتتحول مباشرة إلى عمل فني.
لكن بعد دخولي كلية الفنون الجميلة، بدأت أدرس أسس بناء اللوحة، والتكوين، والقواعد اللونية، وغيرها من المبادئ الأكاديمية. تلقيت إرشادات قيّمة من أساتذتي في الجامعة، ولا زلت أحتفظ بملاحظاتهم التي كان لها أثر كبير في تطوير تجربتي الفنية. أوجه لهم كل الشكر والتقدير لما قدموه من دعم ومصادر معرفية لي ولجميع الطلبة.
لديكِ معارض فنية عديدة ونشاط مميز داخل وخارج العراق، حدثينا عن ذلك
الفنان الحقيقي لا ينتظر الاستحقاق من جهة معينة، بل يسعى بنفسه لخلق الفرص. أقمت عدة معارض شخصية خارج العراق دون دعم من أي جهة رسمية، سواء من نقابة الفنانين التشكيليين أو الجمعيات الفنية. الفنان يدعم نفسه بنفسه.
وبفضل الله، تم اقتناء العديد من أعمالي في دول عربية وأجنبية وأوروبية، وهو ما أعدّه دافعاً كبيراً للاستمرار والتطور.
ما الكلمة التي تودين توجيهها لزملائك الفنانين؟
أحاول دائماً أن أترك أثراً، ولو كان بسيطاً. عالم الفن واسع وكبير، وقد يواجه الفنان في بدايته من يقلل من قيمة عمله، وهذا قد يكون صعباً في البداية، لكنه جزء من طريق النجاح.
أنصح كل فنان أن يسعى لخلق شيء جديد يعبّر عن بصمته الخاصة، وأن يصنع نفسه بنفسه، فالإبداع الحقيقي يقود صاحبه دائماً إلى المقدمة.
كيف ترين نفسك ضمن الأجيال الفنية المختلفة؟
لا أحب أن أكون محصورة أو مقيدة بجيل معين، فأنا ابنة فكرتي وخيالي ولوني الخاص. أستلهم من تجارب الآخرين، لكنني أسعى دائماً لصنع صوتي الفني وبصمتي التي تميزني.
ماذا تتمنين أن ترسمي للعالم؟
أمنيتي في الرسم ليست فقط أن تنال لوحاتي إعجاب الناس، بل أن يشعروا بها بعمق. أرغب أن يكون فني جسراً بين القلوب، وأن يطرح تساؤلات إنسانية حول الحب والإنسان والحرية والعلاقات الإنسانية.
أتمنى أن تكون لوحاتي مساحة للتأمل والراحة والبحث عن الذات، وأن يجد فيها كل شخص شيئاً يشبهه أو يواسيه، وربما يصدمه أحياناً ليدفعه للتفكير.
أطمح أن أترك أثراً صادقاً لا يزول مع الزمن، وأن أكون جزءاً من لغة بصرية عالمية توحد الناس رغم اختلافاتهم.







