ضرائب العمر كثيرة، ومن أبرزها أن يكون الإنسان طيب القلب أكثر من الطبيعي، فيدفع ثمن طيبته غالياً، لأن الزمن الذي نعيشه يحتاج أحياناً إلى شيء من القسوة، فمع الأسف هناك من يستغل طيبة الآخرين، وبصورة خاصة إذا كانت العلاقة عاطفية، حينها قد ينكسر في داخل الإنسان شيء لا يُرى، وتكون ضريبته قلباً مكسوراً يمتد ألمه دهراً كاملاً.
فالطيبة صفة نبيلة، لكنها في بعض الأحيان تتحول إلى عبء ثقيل على صاحبها عندما يضعها في غير موضعها. فهناك من يفسر الطيبة ضعفاً، ومن يعتقد أن صاحب القلب الطيب لا يغضب ولا يتألم، فيتمادى في جرحه واستغلال مشاعره، ومع تكرار الخيبات، يتعلم الإنسان دروساً قاسية لم يكن يتمنى أن يتعلمها يوماً، فيكتشف أن الحياة لا تسير دائماً كما يشتهي القلب.
ولعل أقسى ما في الأمر أن الجرح العاطفي لا يُرى بالعين، لكنه يبقى عالقاً في الذاكرة طويلاً، قد يبتسم الإنسان ويواصل حياته وكأن شيئاً لم يحدث، لكنه في داخله يحمل ندوباً لا يمحوها الزمن بسهولة. فبعض الجراح قد تلتئم، لكن أثرها يبقى شاهداً على لحظة انكسار مرّ بها القلب.
وأحياناً يتناسى الإنسان ما حصل مع مرور الأيام، وينشغل بتفاصيل الحياة وضجيجها، لكن من المستحيل أن ينسى الجرح الذي تركه ذلك الألم في أعماقه. فالعمر يعلمنا أن نكون أكثر حذراً، وأن نمنح ثقتنا لمن يستحقها فقط، لأن طيبة القلب ليست خطأ، لكن الخطأ أن نهبها لمن لا يعرف قيمتها.
وهكذا تبقى ضرائب العمر دروساً قاسية، لكنها تصنع في النهاية إنساناً أكثر وعياً وصلابة، يعرف متى يكون طيباً، ومتى يضع حدوداً تحمي قلبه من الانكسار مرة أخرى










