20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

استئناف العمل بمعبر رفح: بارقة أمل للمرضى في غزة وسط حصار خانق

أعلنت هيئة المعابر والحدود في قطاع غزة بشكل رسمي عن استئناف العمل عبر معبر رفح البري، المنفذ الوحيد للقطاع نحو العالم الخارجي

بقلم: محمد خميس
٢٥ مارس ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
14 مشاهدة
معبر رفح البري

معبر رفح البري

أعلنت هيئة المعابر والحدود في قطاع غزة بشكل رسمي عن استئناف العمل عبر معبر رفح البري، المنفذ الوحيد للقطاع نحو العالم الخارجي، وذلك ابتداءً من يوم غدٍ الخميس الموافق السادس والعشرين من شهر مارس لعام 2026.

 ويأتي هذا الإعلان بعد فترة من الترقب والقلق الشعبي نتيجة توقف العمل في المعبر خلال الأيام الماضية، مما زاد من معاناة آلاف الفلسطينيين العالقين والحالات الإنسانية الطارئة التي تنتظر فرصتها للمغادرة وتلقي العلاج الضروري في المستشفيات الخارجية. 

إن العودة للعمل في المعبر، وإن كانت بشكل جزئي أو ضمن كشوفات محدودة، تمثل خطوة حيوية في ظل الانهيار الحاصل في المنظومة الصحية داخل القطاع، وهي تعكس الجهود المستمرة لتنسيق خروج الجرحى والمرضى الذين لا يتوفر لهم بديل علاجي محلياً.

وأوضحت الهيئة في تصريحها المقتضب والمركز أن العمل في المعبر خلال يوم غدٍ سيخصص لتسهيل مغادرة ثمانية عشر مريضاً من الحالات الصعبة والمزمنة، يرافقهم ثلاثة وثلاثون مرافقاً لتقديم الدعم اللازم لهم خلال رحلتهم العلاجية.

 وتأتي هذه التسهيلات الإنسانية المخصصة للحالات المرضية كجزء من تفاهمات تهدف إلى تخفيف الضغط عن المراكز الطبية في غزة، حيث تعاني هذه المراكز من نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية نتيجة سنوات الحصار والحروب المتلاحقة. 

ومن المقرر أن تخضع عملية المغادرة لإجراءات دقيقة لضمان وصول هؤلاء المرضى إلى وجهاتهم بسلام، مع التأكيد على ضرورة التزام المسافرين بالتعليمات الصادرة عن الجهات المختصة لتجنب أي تأخير قد يطرأ على حركة السفر عبر البوابة البرية.

واقع الحصار وتحديات السفر

تعود هذه الخطوة بعد سلسلة من التقلبات في آلية عمل المعبر، حيث شهدت الفترة الماضية إعادة فتح محدودة للبوابة يوم الخميس الماضي، التاسع عشر من آذار/مارس، وذلك وفقاً للآلية المعمول بها سابقاً، ولكن سرعان ما عاد التوتر ليسود المنطقة من جديد، مما أدى إلى تعليق العمل بالمعبر مرة أخرى منذ يوم الاثنين الموافق الثالث والعشرين من آذار/مارس وحتى تاريخ اليوم الأربعاء.

هذا التذبذب في فتح وإغلاق المعبر يعكس مدى تعقيد المشهد السياسي والميداني في المنطقة، ويضع المسافرين في حالة من عدم الاستقرار الدائم، حيث تضيع عليهم المواعيد الطبية المحددة في الخارج وتتفاقم حالاتهم الصحية سوءاً نتيجة الانتظار الطويل على قوائم السفر التي تضم آلاف الأسماء المحتاجة للخروج العاجل.

ويرى مراقبون أن الإجراءات المشددة التي تفرضها سلطات الاحتلال الإسرائيلي على حركة الأفراد والبضائع، تزامنت بشكل ملحوظ مع تصعيد العمليات العسكرية وحالة الحرب القائمة، مما انعكس سلباً على كفاءة عمل معبر رفح. 

فعلى الرغم من أن المعبر كان يعمل في بعض الفترات بشكل جزئي، إلا أن معدل المسافرين لم يكن يتجاوز الخمسة وأربعين مسافراً يومياً في أحسن الأحوال، وهو رقم ضئيل جداً لا يلبي احتياجات قطاع يقطنه أكثر من مليوني نسمة. 

هذه القيود الصارمة حولت المعبر من منفذ دولي طبيعي إلى ممر ضيق جداً يفتح بشق الأنفس، مما أدى إلى تراكم الأزمات الإنسانية والاجتماعية، وحرم الطلاب وأصحاب الإقامات والحالات الإنسانية من حقهم الأساسي في التنقل بحرية.

تبعات الحرب والإغلاق الطويل

لا يمكن قراءة خبر استئناف العمل بالمعبر دون العودة إلى السياق التاريخي القريب والمؤلم، حيث ظل معبر رفح مغلقاً بشكل كامل ولمدة ستة عشر شهراً متواصلة عقب اجتياح مدينة رفح خلال الحرب الأخيرة. 

هذا الإغلاق الطويل تسبب في كارثة إنسانية غير مسبوقة، حيث فقد مئات المرضى حياتهم وهم ينتظرون فتح المعبر، وتدمرت آلاف المصالح والمستقبل الأكاديمي لمئات الطلاب الذين لم يتمكنوا من الالتحاق بجامعاتهم في الخارج.

 إن استعادة المعبر لجزء بسيط من نشاطه الآن لا تعني انتهاء الأزمة، بل هي مجرد محاولة لترميم ما يمكن إنقاذه من حالات طبية حرجة، في ظل تدمير البنية التحتية لمعظم المستشفيات في غزة وخروجها عن الخدمة بشكل شبه كلي.

وفي ظل هذه المعطيات، يطالب المجتمع الدولي والمؤسسات الحقوقية بضرورة تحييد المعابر الإنسانية عن الصراعات العسكرية والسياسية، وضمان فتح معبر رفح بشكل دائم ومستمر أمام حركة جميع الفئات دون استثناء. 

فالحاجة الماسة للسفر لا تقتصر على المرضى فقط، بل تشمل قطاعات واسعة من المجتمع تعطلت حياتهم بسبب الحصار. إن استئناف العمل غداً الخميس بثمانية عشر مريضاً هو خطوة إيجابية لكنها تظل قاصرة مقارنة بحجم المأساة الحقيقي في غزة، حيث تشير التقارير إلى وجود أكثر من عشرة آلاف مريض جريح بحاجة ماسة للسفر الفوري لإنقاذ حياتهم، مما يستدعي تدخلاً دولياً عاجلاً لفتح ممرات آمنة ودائمة تضمن حقوق الإنسان الأساسية في التنقل والعلاج.

الآفاق المستقبلية وآلية السفر

من المتوقع أن تشهد الأيام القادمة محاولات لتوسيع قائمة المسافرين لتشمل فئات أخرى غير المرضى والجرحى، إذا ما استقرت الأوضاع الميدانية والسياسية المحيطة بالمنطقة. وتعمل هيئة المعابر والحدود في غزة على تحديث الكشوفات بشكل مستمر، داعية المواطنين إلى متابعة المنصات الرسمية لمعرفة مواعيد سفرهم وتجهيز الوثائق المطلوبة. ويأمل المواطنون في قطاع غزة أن يكون هذا الافتتاح مقدمة لإنهاء سياسة الإغلاق الممنهج، وأن تنجح الجهود الدبلوماسية في تثبيت آلية عمل مستقرة تنهي معاناة العالقين، خاصة وأن معبر رفح يمثل الرئة الوحيدة التي يتنفس منها القطاع في ظل إغلاق كافة المعابر الأخرى التي تسيطر عليها سلطات الاحتلال بشكل كامل وتمنع عبرها حركة الأفراد بشكل شبه مطلق.

يظل ملف معبر رفح هو الاختبار الحقيقي للإرادة الدولية في حماية المدنيين وتوفير احتياجاتهم الأساسية في أوقات النزاع. وبينما يستعد المريض الأول لعبور البوابة غداً، تتجه أنظار الآلاف نحو تلك البوابة بانتظار لحظة الخلاص من واقع الحصار المرير. 

إن استمرار العمل بالمعبر يتطلب دعماً لوجستياً وسياسياً كبيراً لضمان عدم عودة الإغلاق، ولتحويل هذا المنفذ إلى جسر للنجاة بدلاً من أن يكون نقطة انتظار يائسة. 

سيبقى الفلسطينيون في غزة يراقبون حركة الحافلات عبر معبر رفح بكثير من الأمل المشوب بالحذر، متطلعين إلى يوم تنتهي فيه القيود ويصبح السفر حقاً متاحاً للجميع بعيداً عن كشوفات التنسيق وحسابات السياسة المعقدة.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

استئناف العمل بمعبر رفح: بارقة أمل للمرضى في غزة وسط حصار خانق - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°