كشف تقرير صادم لصحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية عن حجم الخسائر الكارثية التي تكبدتها القوات المسلحة التابعة لـ "أمريكا" منذ اندلاع المواجهة العسكرية في 28 فبراير الماضي، محطماً بذلك رواية "العملية القصيرة والحاسمة".
ووفقا للبيانات التي أوردتها الصحيفة، فإن الآلة العسكرية الأمريكية غارقة الآن في مستنقع من الاستنزاف المالي والتقني، حيث بلغت قيمة المعدات والمنظومات الرادارية والطائرات المدمرة والمتضررة مليارات الدولارات نتيجة الضربات الإيرانية المتلاحقة أو حوادث الميدان الدامية.
وتشير التقديرات الواردة عن مسؤولة سابقة في البنتاغون إلى أن كلفة استبدال العتاد المفقود خلال الأسابيع الثلاثة الأولى فقط تتراوح ما بين 1.4 مليار و2.9 مليار دولار، وهو رقم مرشح للتصاعد مع استمرار سقوط الصواريخ الباليستية والمسيّرات التي استهدفت القواعد الأمريكية في دول مثل قطر والسعودية والأردن.
إن هذا النزيف لا يعبر فقط عن خسارة مادية، بل يعكس فشلاً استراتيجياً في حماية الأصول العسكرية المتقدمة التي كان يُنظر إليها كدروع لا تُقهر، مما يضع إدارة الرئيس الحالي "ترمب" أمام مأزق "حرب بلا نهاية" تفتقر إلى خطة خروج واضحة.
تساقط الطائرات وصدمة "الأصدقاء"
لم تكن النيران الإيرانية هي المصدر الوحيد للقلق، إذ كشف التقرير عن حوادث كارثية أصابت سلاح الجو الأمريكي، أبرزها واقعة "النيران الصديقة" التي أسقطت فيها مقاتلة كويتية ثلاث طائرات أمريكية من طراز F-15 عن طريق الخطأ مطلع مارس.
يضاف إلى ذلك الهبوط الاضطراري لدرة التاج الأمريكي، الطائرة الشبح F-35، بعد تعرضها للاستهداف فوق الأجواء الإيرانية، مما يثبت أن السيادة الجوية التي تتباهى بها واشنطن باتت محل شك كبير في ظل التطور النوعي لوسائل الاعتراض والمواجهة.
وعلى صعيد الخسائر البشرية والمعدات الثقيلة، سجل التقرير مأساة جوية فوق العراق إثر اصطدام طائرة تزويد بالوقود من طراز KC-135 بأخرى، مما أدى لمقتل ستة أفراد، ناهيك عن تدمير أكثر من 12 طائرة مسيّرة من طراز "MQ-9 ريبر".
هذه الطائرات، التي توقف إنتاج بعض فئاتها، تمثل خسارة تقنية فادحة يصعب تعويضها في المدى القريب، مما يقلص من قدرات الاستطلاع والمراقبة الأمريكية في منطقة مشتعلة لا تهدأ فيها أصوات الانفجارات.
شلل الرادارات وحريق "جيرالد فورد"
امتدت الضربات لتطال العصب الحساس للجيش الأمريكي، وهو منظومات الرادار والإنذار المبكر، حيث أكدت الصحيفة استهداف رادار TPY-2 التابع لمنظومة "ثاد" في الأردن، وإصابة نظام إنذار متطور تابع لقوة الفضاء الأمريكية بقيمة 1.1 مليار دولار.
هذه الاختراقات تعني عمليا أن القواعد الأمريكية في دول مثل الإمارات والبحرين والكويت باتت "عمياء" جزئياً أمام الموجات الصاروخية، وهو ما يفسر نجاح الصواريخ الإيرانية في الوصول إلى قاعدة "الأمير سلطان" بالسعودية يوم الجمعة الماضي، مما أسفر عن إصابة 10 جنود أمريكيين في حصيلة دموية جديدة.
وفي تطور لافت، لم تنجُ حاملة الطائرات "جيرالد فورد"، الأحدث في الأسطول الأمريكي، من لعنة هذه الحرب، حيث اندلع حريق غامض على متنها في مارس أجبرها على الانسحاب نحو الموانئ اليونانية للصيانة. ورغم عدم وجود هجوم مباشر، إلا أن هذا الحادث يعكس حالة الإجهاد العالي والارتباك التي تعيشها القوات البحرية، ويؤكد أن الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة بات مكلفاً ليس فقط من الناحية العسكرية، بل ومن حيث الجاهزية التشغيلية التي بدأت تتآكل تحت وطأة الاستنزاف المستمر.
التضليل الأمريكي والواقع الميداني
بينما يحاول الرئيس ترامب، رسم صورة للنصر السريع عبر تصريحاته حول "توسل" طهران للتفاوض، تأتي وقائع "وول ستريت جورنال" لتكشف زيف هذه الادعاءات وتؤكد أن الميدان يتحدث لغة أخرى مغمسة بالدم والرماد.
إن الرواية الأمريكية التي تحاول تقزيم الخسائر تصطدم بحقيقة أن الصواريخ والمسيّرات الإيرانية لا تزال تضرب العمق الاستراتيجي للقواعد الأمريكية وحلفائها، مما يحول المنطقة إلى ساحة حرب مفتوحة لا تخدم إلا أجندات القوى الاستعمارية الساعية لإعادة رسم الجغرافيا على جثث الأبرياء.
وفي خضم هذا الاستنزاف، لا يمكننا إغفال الدور الأمريكي المباشر في دعم الكيان الصهيوني الذي يرتكب أبشع المجازر منذ أكتوبر 2023 في فلسطين، حيث تُسخر ذات الإمكانيات التي تُضرب اليوم في طهران لحماية القتلة في غزة.
إن هذا التخبط العسكري في مواجهة إيران، يقابله إصرار أمريكي على تمويل المظلمة الفلسطينية، مما يجعل من الخسائر المليارية الحالية نوعاً من "القصاص التاريخي" لسياسة التدخلات السافرة التي لم تجلب للمنطقة سوى الدمار، بينما يظل الشعب الفلسطيني الصامد هو الشاهد الأكبر على سقوط الأقنعة وتهاوي أساطير القوة المطلقة.







