أكد مركز غزة لحقوق الإنسان أن قوات الاحتلال تواصل، لليوم الـ168 على التوالي، خرق اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة. ويعكس هذا الاستمرار نمطًا ممنهجًا من الانتهاكات التي تشمل القتل المباشر والقصف الجوي والمدفعي واستهداف المدنيين. كما يشير إلى تآكل فعلي لمرتكزات الهدنة وتحولها إلى إطار شكلي بلا مضمون حقيقي.
وتوضح المعطيات الميدانية أن هذه الخروقات لم تعد أحداثًا متفرقة، بل أصبحت سلوكًا يوميًا متكررًا يقوّض أي استقرار ميداني. ويؤكد ذلك تسجيل آلاف الحوادث منذ بدء سريان الاتفاق، بما يعكس غياب الالتزام الكامل ببنوده. كما يكشف عن خلل عميق في آليات الرقابة الدولية المفترضة.
وفي هذا السياق، يتحول وقف إطلاق النار من أداة لخفض التصعيد إلى مظلة تستمر تحتها العمليات العسكرية. ويؤدي ذلك إلى تكريس واقع أمني هش يهدد بانفجار الأوضاع في أي لحظة. وبالتالي، فإن استمرار هذه الخروقات يحمل دلالات تتجاوز الميدان إلى البعد السياسي والقانوني.
استهداف المدنيين
وثّق المركز سلسلة اعتداءات جديدة أسفرت عن استشهاد وإصابة عدد من الفلسطينيين في مناطق متفرقة من القطاع. وكان من أبرزها استشهاد الشقيقين فهمي وسائد قدوم برصاص قوات الاحتلال شرقي مدينة غزة، إلى جانب إصابات أخرى بينها حالة خطرة. كما يعكس ذلك استمرار استهداف الأفراد في مناطق مأهولة بالسكان.
كما شملت الانتهاكات قصفًا جويًا على دير البلح أدى إلى استشهاد شاب وإصابة آخرين، إلى جانب استهداف بطائرة مسيّرة قرب مخيم النصيرات أسفر عن شهداء وإصابات بالغة. هذه الحوادث المتكررة تشير إلى نمط عملياتي يعتمد على الضربات المباشرة ضد تجمعات مدنية. كما تعزز الاتهامات باستخدام القوة بشكل مفرط وغير متناسب.
ويؤكد هذا التصعيد أن المدنيين ما زالوا في قلب دائرة الاستهداف رغم وجود اتفاق لوقف إطلاق النار. كما يعكس غياب أي خطوط حمراء في قواعد الاشتباك الحالية. وبالتالي، فإن هذا الواقع يفاقم الأزمة الإنسانية ويزيد من تعقيد المشهد الميداني.
أرقام صادمة
تشير الإحصاءات إلى استشهاد 694 فلسطينيًا منذ بدء سريان الاتفاق، بينهم 202 طفل و83 امرأة و21 مسنًا، إضافة إلى إصابة 1888 آخرين. وتعكس هذه الأرقام حجم الخسائر البشرية المتزايدة رغم الإعلان الرسمي عن وقف إطلاق النار. كما تبرز التأثير الكارثي لاستمرار العمليات العسكرية على الفئات الأكثر ضعفًا.
وسُجل ما مجموعه 2160 خرقًا ميدانيًا بمتوسط يقارب 13 خرقًا يوميًا، تشمل إطلاق نار وقصفًا وتوغلات وعمليات نسف. ويكشف هذا المعدل المرتفع عن وتيرة تصعيدية ثابتة لا تتراجع بمرور الوقت. كما يعكس تحول الخروقات إلى سياسة ميدانية مستمرة وليست استثناءً.
وتشير هذه البيانات إلى أن الاتفاق لم ينجح في تحقيق هدفه الأساسي المتمثل في حماية المدنيين. بل على العكس، يبدو أنه يجري استغلاله في إدارة الصراع بشكل مختلف. وهذا ما يعزز المخاوف من انهيار كامل لأي ترتيبات تهدئة مستقبلية.
أزمة إنسانية في غزة
أكد المركز أن سلطات الاحتلال تواصل تعطيل البروتوكول الإنساني المرتبط بالاتفاق، عبر تقليص دخول المساعدات والوقود. ولم تتجاوز نسبة المساعدات 40% من الكميات المتفق عليها، فيما لم يصل الوقود سوى بنسبة 14.9%. ويعكس ذلك ضغطًا إضافيًا على البنية التحتية والخدمات الأساسية في القطاع.
وأدى هذا النقص الحاد إلى تفاقم انهيار شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، ما يهدد حياة آلاف المدنيين. كما يعطل قدرة المؤسسات الصحية على الاستجابة للحالات الطارئة، خاصة في ظل تزايد أعداد المصابين. ويضع ذلك القطاع أمام أزمة إنسانية مركبة تتداخل فيها العوامل الصحية والخدمية.
وفي الوقت نفسه، تستمر القيود على معبر رفح، بما يشمل تقليص السفر وعرقلة الحالات الإنسانية. كما تم تسجيل حالات اعتقال أثناء العودة إلى القطاع، في انتهاك واضح للاتفاق. وهذا يزيد من عزلة غزة ويعمق معاناة سكانها.
دلالات قانونية
يرى المركز أن هذه الخروقات تمثل انتهاكًا جسيمًا لاتفاق وقف إطلاق النار، وتندرج ضمن استخدام مفرط وغير مبرر للقوة. كما يشير إلى استهداف مناطق مأهولة وتجمعات نازحين، وهو ما يخالف قواعد القانون الدولي الإنساني. ويعزز ذلك توصيف هذه الأفعال ضمن إطار العقاب الجماعي المحظور.
كما اعتبر أن استمرار هذه الانتهاكات يعكس نمطًا متواصلاً من الجرائم التي قد ترقى إلى أفعال إبادة بآليات مختلفة. ويطرح هذا التوصيف تساؤلات جدية حول مدى التزام الأطراف بالقانون الدولي. كما يفتح الباب أمام مطالبات بمساءلة قانونية دولية.
ويكشف هذا الواقع عن غياب الإرادة الدولية الفاعلة لضمان تنفيذ الاتفاقات وحماية المدنيين. كما يكرّس حالة من الإفلات من العقاب تشجع على استمرار الانتهاكات. وبالتالي، فإن الأزمة لم تعد إنسانية فقط، بل قانونية وسياسية بامتياز.
دعوات للتحرك
دعا مركز غزة لحقوق الإنسان المجتمع الدولي والأطراف الضامنة إلى تحرك عاجل لوقف الخروقات. وشدد على ضرورة توفير حماية دولية فورية للمدنيين في قطاع غزة. كما طالب بضمان تدفق المساعدات الإنسانية بشكل كامل وغير مشروط.
وأكدت الدعوات أهمية فتح تحقيقات دولية مستقلة في جرائم القتل والاستهداف خلال فترة وقف إطلاق النار. ويهدف ذلك إلى تمهيد الطريق لمساءلة المسؤولين أمام القضاء الدولي. كما يعزز من فرص تحقيق العدالة للضحايا.
وفي المحصلة، يعكس هذا النداء إدراكًا متزايدًا لخطورة استمرار الوضع الراهن في غزة دون تدخل حاسم. كما يبرز الحاجة إلى آليات تنفيذ فعالة تتجاوز البيانات السياسية. وبالتالي، فإن المرحلة المقبلة ستحدد ما إذا كان المجتمع الدولي قادرًا على فرض التزام حقيقي بالقانون والاتفاقات.







