تضع التوترات المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط الدولة العراقية في موقع شديد الحساسية والتعقيد، بالنظر إلى موقعها الجغرافي المركزي وتشابك علاقاتها مع القوى الفاعلة إقليمياً ودولياً.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور طالب محمد كريم، أستاذ الفكر السياسي في الجامعة المستنصرية، في تصريحات خاصة لموقع "180 تحقيقات"، أن هذا الوضع يلقي بظلال كثيفة على الاستقرار الأمني والسياسي الداخلي، حيث تؤدي هذه التوترات إلى زيادة الضغوط على الساحة الوطنية، سواء عبر محاولات استهداف المصالح الحيوية أو إعادة تنشيط بؤر التوتر الكامنة، أما على الصعيد السياسي، فإن هذه الأزمات تُعمّق من حدة الانقسام في المواقف بين القوى السياسية المختلفة، مما يتسبب في إرباك واضح لعملية اتخاذ القرار الاستراتيجي، خاصة حينما تتقاطع الحسابات المحلية الضيقة مع الامتدادات الإقليمية المتصارعة التي تحاول فرض أجنداتها على المشهد العراقي.
التداعيات الاقتصادية وسيناريوهات الحرب المحتملة
يشير الدكتور طالب محمد كريم إلى أن الاقتصاد العراقي، الذي يعتمد بشكل مفرط وشبه كلي على عوائد النفط، يعد من أكثر الاقتصادات تأثراً بأي اضطراب أمني في المنطقة، ففي حال اندلاع حرب واسعة، من المتوقع أن يشهد السوق العالمي تقلبات حادة وغير مستقرة في أسعار الخام، وهي تقلبات قد تبدو إيجابية في ظاهرها لجهة ارتفاع المداخيل، إلا أنها تحمل مخاطر عدم اليقين على المدى المتوسط، كما حذر كريم من تعطل سلاسل الإمداد الدولية وارتفاع كلفة الاستيراد والشحن، وهو ما سينعكس بشكل مباشر وفوري على أسعار السلع الأساسية داخل السوق المحلي العراقي، مما يزيد من معاناة المواطنين، بالإضافة إلى تراجع تدفق الاستثمارات الأجنبية وتأجيل المشاريع التنموية الكبرى، مما يضع ضغطاً إضافياً هائلاً على الموازنة العامة للدولة التي تعاني أصلاً من التزامات إنفاق تشغيلية مرتفعة.
مسارات تحييد العراق عن الصراعات الإقليمية
وعلى الرغم من قتامة المشهد، يرى الدكتور طالب محمد كريم أن العراق لا يزال يمتلك فرصة واقعية لتجنب الانزلاق في أتون الصراعات، شريطة اتباع مسارات وطنية متوازنة.
ويأتي في مقدمة هذه المسارات ضرورة تثبيت مبدأ حصر السلاح بيد الدولة حصراً، بما يضمن تعزيز القرار السيادي الوطني ويمنع تشتت القوة بين مراكز متعددة قد تنجذب للاصطفافات الخارجية، كما يشدد على أهمية اعتماد دبلوماسية "النأي بالنفس الإيجابي" التي تقوم على تجنب الانخراط في المحاور المتقابلة والحفاظ على علاقات متزنة مع الجميع، وصولاً إلى تعزيز الجبهة الداخلية من خلال بناء خطاب وطني جامع يقلل من حدة الانقسامات الطائفية أو الحزبية ويقدّم مصلحة العراق العليا على أي اعتبار آخر، لضمان تماسك الدولة أمام العواصف الخارجية العاتية.
ويشدد أستاذ الفكر السياسي على أن العراق ليس بمعزل عما يجري في محيطه الملتهب، لكنه في الوقت ذاته يمتلك خيارات سياسية وإستراتيجية قوية إذا ما أحسن استغلالها، إن إدارة هذه المرحلة الحرجة تتطلب عقلانية وحكمة في التعامل مع الملفات الشائكة، والتمسك التام بمؤسسات الدولة الشرعية بوصفها المظلة الوحيدة القادرة على حماية الجميع.
ويرى الدكتور كريم أن تغليب المصلحة الوطنية والالتفاف حول الدستور هما المفتاحان الأساسيان لتجاوز هذه الحقبة بأقل الخسائر الممكنة، فالعراق القوي داخلياً هو وحده القادر على فرض احترامه في الساحة الدولية ومنع تحويل أراضيه إلى ساحة لتصفية الحسابات بين الخصوم، مما يستدعي يقظة سياسية ومجتمعية شاملة لمواجهة التحديات المصيرية التي تهدد مستقبل البلاد واستقرارها.









