لم تعد الجبهات منفصلة عن بعضها البعض كما كانت في العقود الماضية، بل أصبحت جبهة لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة تمثل وحدة عضوية واحدة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي.
إن التصعيد العسكري الأخير في جنوب لبنان، والذي أسفر عن إصابات محققة في صفوف ضباط وجنود جيش الاحتلال، يعكس بوضوح أن المقاومة اللبنانية انتقلت من مرحلة الإسناد الكمي إلى مرحلة الاستنزاف النوعي، وهو ما يضع القيادة الإسرائيلية في مأزق استراتيجي حقيقي، فالدخول البري لم يعد مجرد نزهة عسكرية، بل أصبح مواجهة دموية تكلف الاحتلال أثماناً باهظة في الأرواح والعتاد، وهذا التحول في الميدان اللبناني ينعكس مباشرة على معنويات الشعب الفلسطيني في غزة والضفة، حيث يشعر الفلسطينيون أنهم ليسوا وحدهم في هذه المعركة الوجودية، وأن جبهة الشمال تمثل رئة يتنفسون منها في ظل الحصار المطبق الذي يمارسه الاحتلال على القطاع منذ شهور طويلة.
لبنان في عين العاصفة: انقسام الداخل وضغوط الحرب
بينما تشتعل الجبهة الحدودية، يواجه الداخل اللبناني تحديات لا تقل خطورة عن الميدان العسكري، حيث يعيش لبنان حالة من الانقسام السياسي الحاد حول جدوى الانخراط في هذه المواجهة وتداعياتها على الدولة المتهالكة أصلاً.
إن المشهد الداخلي اللبناني يغلي على وقع أزمة اقتصادية خانقة وفراغ رئاسي ممتد، مما يجعل من أي تصعيد عسكري واسع النطاق بمثابة القشة التي قد تقصم ظهر البعير، فبينما يرى فريق من اللبنانيين أن حماية لبنان تبدأ من ردع الاحتلال ومنع استفراده بغزة، يخشى فريق آخر من أن تؤدي الحرب إلى تدمير ما تبقى من بنية تحتية وتهجير مئات الآلاف من اللبنانيين.
وهذا الانقسام ليس مجرد خلاف في الرأي، بل هو انعكاس لعمق الأزمة البنيوية في النظام السياسي اللبناني الذي يجد نفسه عاجزاً عن اتخاذ قرار موحد في لحظة مصيرية، مما يترك الساحة مفتوحة لكافة الاحتمالات، بما في ذلك سيناريوهات الفوضى الداخلية أو الانزلاق نحو صراع أهلي تحت وطأة الضغوط الدولية والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة.
توازنات القوة وسيناريوهات التصعيد المستقبلي
إن ما يحدث اليوم على الجبهة اللبنانية ليس مجرد تبادل لإطلاق النار، بل هو إعادة رسم كاملة لتوازنات القوة في المنطقة، فالاحتلال الإسرائيلي يحاول بشتى الوسائل استعادة قوة الردع التي تحطمت في السابع من أكتوبر، ولكنه يصطدم بواقع ميداني معقد في جنوب لبنان، حيث أصبحت الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيرة الانقضاضية تشكل تهديداً وجودياً للمستوطنات الشمالية وللمنشآت العسكرية الحساسة.
وفي ظل هذه المعطيات، تصبح السيناريوهات القادمة محصورة بين أمرين: إما الانزلاق نحو حرب شاملة تتدخل فيها قوى إقليمية ودولية بشكل مباشر، وهو ما تخشاه واشنطن وتعمل على تجنبه عبر مبادرات دبلوماسية مكثفة، أو البقاء في دائرة الاستنزاف الطويل الذي ينهك الطرفين دون الوصول إلى حسم عسكري واضح، وفي كلا الحالتين، يبقى لبنان هو الساحة الأكثر تأثراً، حيث تتشابك خيوط السياسة الإقليمية مع طموحات القوى المحلية، مما يجعل المشهد على حافة الانفجار في أي لحظة نتيجة أي خطأ في الحسابات من قبل أي طرف من الأطراف المنخرطة في الصراع.
تداعيات إنسانية ومخاطر التهجير القسري
لا يمكن قفل ملف الجبهات المشتعلة دون الحديث عن الكارثة الإنسانية التي تلوح في الأفق، فالحرب في لبنان وفلسطين ليست حرباً بين جيوش فحسب، بل هي حرب تستهدف الحاضنة الشعبية للمقاومة عبر سياسة "الأرض المحروقة"، وفي الضفة الغربية، تتصاعد التحذيرات الدولية من عمليات تهجير واسعة قد تطال المقدسيين وسكان المخيمات، وهو ما يتقاطع مع ما يحدث في جنوب لبنان من نزوح قسري لآلاف العائلات نتيجة القصف العشوائي.
إن استهداف المدنيين وتدمير المرافق الحيوية مثل المدارس والمستشفيات يعكس رغبة الاحتلال في جعل هذه المناطق غير قابلة للحياة، وهو ما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار أخلاقي وقانوني حقيقي، فبينما يتفرج العالم على انتهاكات قواعد القانون الدولي الإنساني، تزداد معاناة الشعوب في لبنان وفلسطين، مما يؤسس لمرحلة من الغضب الشعبي الذي قد يتجاوز الحدود ويحول المنطقة بأكملها إلى ساحة لمواجهة مفتوحة لا تحمد عقباها، حيث يصبح البقاء هو المحرك الوحيد للجماهير في ظل غياب أي أفق سياسي عادل وشامل.
لبنان وفلسطين في مسار المصير المشترك
يبدو أن قدر لبنان وفلسطين قد ارتبط بشكل لا يقبل الفصل، فالحرب الدائرة اليوم هي معركة واحدة بجبهات متعددة، والانتصار أو الانكسار في إحداها سينعكس حتماً على الأخرى.
إن لبنان الذي يعيش بين مطرقة الحرب وانقسام الداخل يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى رؤية وطنية جامعة قادرة على حماية السيادة مع الحفاظ على التماسك المجتمعي، وفي المقابل، تظل فلسطين هي البوصلة التي تحدد اتجاهات الصراع في المنطقة، إن المرحلة القادمة ستكون حاسمة في تحديد معالم الشرق الأوسط الجديد، فإما أن تنجح إرادة المقاومة في فرض معادلة ردع جديدة تحمي الشعوب، أو أن تنجح القوى الاستعمارية في إعادة رسم الخريطة بما يخدم مصالحها الضيقة، ويبقى الرهان الأكبر على وعي الشعوب وقدرتها على الصمود في وجه العواصف العاتية التي تضرب المنطقة من كل جانب.









