أكد المحلل السياسي الفلسطيني عزات جمال، في تصريحات خاصة لموقع "180 تحقيقات"، أن الاحتلال الإسرائيلي ينتهج في عام 2026 سياسة عدوانية متصاعدة وغير مسبوقة تستهدف الوجود الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس والداخل المحتل، موضحاً أن هذه الموجة من التطهير العرقي تنطلق من رؤى توراتية كهنوتية متطرفة تتقاطع فيها مصالح الإنجيلية المسيحية مع اليمين الديني والقومي الصهيوني.
وأشار جمال إلى أن الاحتلال يحاول استغلال اللحظة التاريخية الراهنة، التي يعتقد قادته أنها ملائمة للمضي قدماً في تهويد الضفة الغربية بشكل متسارع، وصولاً إلى تحقيق الحلم المتطرف بإقامة الهيكل المزعوم على أنقاض المقدسات الإسلامية، وهو ما تفسره زيادة وتيرة الاعتداءات الإجرامية لقطعان المستوطنين على الإنسان الفلسطيني وممتلكاته دون أي رادع قانوني أو أمني، حيث شهدت القرى والمدن الفلسطينية هجمات وحشية تضمنت حرق المساجد والبيوت المأهولة بالسكان، مما خلف مئات الشهداء والجرحى وخسائر مادية جسيمة في محاولة لكسر إرادة الصمود الشعبي.
وشدد المحلل السياسي على أن هذا العدوان السافر لا يمكن ردعه بالوسائل الدبلوماسية التقليدية في ظل ضعف السلطة الفلسطينية وتنصلها من مسؤولياتها في توفير حماية ناجعة للشعب المعتدى عليه، مؤكداً أن المقاومة الحقيقية هي السبيل الوحيد لتكبيد الاحتلال خسائر تجبره على إعادة تقييم إجرامه واستباحته للحرمات الإنسانية.
ورغم محاولات الاحتلال الدؤوبة للقضاء على الفصائل الأساسية وملاحقة رموزها وزجهم في السجون، إلا أن الثابت في المعادلة هو استمرار الفعل المقاوم الذي لم يغب عن الساحة منذ قرن من الزمان، حيث تتجدد الخلايا والآليات القتالية وفق الظروف والإمكانات، فالمقاومة تظل مشتعلة طالما استمر فعل العدوان والتطهير والإبادة، وهي قادرة دوماً على ابتكار طرق متجددة للرد، مما يجعل الرهان على إنهاء الوجود المقاوم رهاناً خاسراً أمام إصرار الشعب الفلسطيني على الدفاع عن هويته وأرضه مهما بلغت التضحيات.
حرب الهوية في القدس وتداعيات التصعيد الإقليمي
وفيما يخص مدينة القدس، أوضح عزات جمال أنها تمثل قلب الصراع المحتدم والمطمع الأبرز للاحتلال الذي يسعى لمصادرة حق المسلمين في المسجد الأقصى المبارك، والذي يرزح تحت إغلاق تاريخي مشدد منذ ما يزيد على 30 يوماً بالتزامن مع انطلاق العدوان على الجمهورية الإسلامية في إيران في أواخر فبراير الماضي. وتواجه القدس حالياً أبشع أشكال التمييز العنصري من خلال سياسات ممنهجة لتهجير سكانها، تبدأ بفرض ضرائب باهظة كضريبة "الأرنونة" العدوانية، ولا تنتهي بمصادرة البيوت أو سياسات الإبعاد والحبس المنزلي الجائرة التي تهدد آلاف الفلسطينيين.
هذه الأحكام القضائية المستحدثة تهدف بالأساس إلى تغيير هوية المدينة الإسلامية وإجبار أهلها على الهجرة القسرية، في صورة من أبشع صور التطهير العرقي في التاريخ الحديث، والتي تجري للأسف وسط صمت دولي مطبق من المؤسسات الحقوقية والدول التي لم تبدِ أي اعتراض ملموس على هذه الانتهاكات الصارخة للشرائع السماوية والقوانين الدولية.
وحذر جمال من أن استمرار هذا العدوان المتزامن في فلسطين وعلى شعوب المنطقة ينذر باتساع دائرة النار لتطال أقاليم جديدة لم تكن منخرطة في الصراع بشكل مباشر، محملاً الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة المسؤولية عن إشعال المنطقة برمتها في ظل انسياق تام وغير مشروط من الولايات المتحدة الأمريكية.
وأضاف أن هذا التحالف يتجاوز كافة القوانين والشرائع الإنسانية والأخلاقية، مما يجعل الدفاع عن النفس واجباً شرعياً ووطنياً على كافة الشعوب المعتدى عليها وإن المشهد الحالي يتطلب من الأمة العربية والإسلامية تحقيق وحدة حقيقية تتجاوز الخلافات المذهبية أو القطرية، فالخطر الداهم لا يميز بين عربي ومسلم، أو بين سني وشيعي، فالجميع مستهدف في تاريخه ومقدساته وخيراته وثرواته ووحدة أراضيه، مما يجعل الوحدة هي "شرط البقاء" الوحيد لرد العدوان والانتصار على التحديات الوجودية التي تواجه المنطقة في هذه المرحلة المفصلية.
إن الرؤية التي قدمها عزات جمال تضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته التاريخية، حيث إن تجاهل حرب الإبادة في فلسطين والتوسع العدواني في الإقليم سيؤدي حتماً إلى انهيار المنظومة الأمنية الدولية بالكامل فالشعوب التي تُسلب حقوقها وتُدمر مقدساتها لن تظل صامتة، وردود الأفعال القادمة قد تكون أكثر راديكالية وشمولاً إذا لم يتم لجم جماح التطرف الصهيوني المدعوم أمريكياً وإن استعادة الحقوق الفلسطينية وحماية القدس ليست مجرد قضية محلية، بل هي صمام أمان لاستقرار العالم أجمع، والوحدة التي دعا إليها جمال تمثل خارطة طريق لاستعادة الهيبة العربية والإسلامية ومنع تحويل المنطقة إلى ساحة مفتوحة لتنفيذ الأساطير التوراتية على حساب دماء وحقوق الشعوب الأصيلة.










