في مقال تحليلي جديد بصحيفة "هآرتس"، كشف الكاتب الإسرائيلي أوري مسغاف عن كواليس الصراع الفكري والإعلامي داخل إسرائيل بعد مرور 26 يوماً على اندلاع المواجهات الحالية، حيث يروي أوري مسغاف تجربته في استوديو "أخبار 12"، معبراً عن دهشته العميقة من الفجوة بين لغة الأكاديميين وخبراء الأمن وبين الواقع المرير، فبينما يتحدث المحللون عن "إنجازات عملياتية مدهشة" وتحسن في الوضع الاستراتيجي، ينقطع البث التلفزيوني باستمرار لنشر تحديثات عاجلة حول سقوط صواريخ إيرانية في مركز البلاد، تزامناً مع قصف وحشي يشنه "حزب الله" على مناطق الشمال، ما يجعل الوعود الرسمية تبدو منفصلة تماماً عن دوى الانفجارات التي تهز المدن من الجليل وحتى إيلات.
ويوضح الكاتب أوري مسغاف في تقريره أن إسرائيل وجدت نفسها مجدداً في مواجهة مباشرة مع المحور الإيراني بعد أقل من عام على عملية "شعب كالأسد"، وهي المواجهة التي بدأت بقرار إسرائيلي وجرت خلفها الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن الفارق الجوهري يكمن في أن الجبهة الداخلية الإسرائيلية هي من تدفع الثمن تحت وطأة القصف المستمر.
ويرى أوري مسغاف أن اليورانيوم المخصب ما زال مدفوناً في أعماق الأرض، بينما التهديد الصاروخي الذي زعم المسؤولون التخلص منه بات يشل حركة البلاد تماماً، بل إن النظام في طهران لم يسقط، وإنما تم استبدال قادته بأصوليين أكثر إصراراً على الانتقام بعد حشرهم في الزاوية، ما يعني أن أهداف الحرب المعلنة لا تزال بعيدة المنال رغم كل التضحيات.
انهيار المنظومة المدنية والعسكرية
وعلى صعيد الجبهة الداخلية، يسلط أوري مسغاف الضوء على حالة الشلل التي أصابت المرافق الحيوية؛ فمطار بن غوريون مغلق أمام السواد الأعظم من الإسرائيليين، باستثناء فئات معينة من "الحريديين" وعائلة نتنياهو، كما توقفت عجلة التعليم والثقافة والرياضة، وفي الوقت الذي يشتعل فيه الجليل وينهار الاقتصاد وتغلق الشركات أبوابها، تحاول الحكومة تسويق فكرة تجنيد 400 ألف جندي احتياط لغزو لبنان، وهو رقم يؤكد أوري مسغاف عدم وجوده في الواقع، نظراً لاستنزاف نظام الاحتياط إلى حده الأقصى وانهيار النظام العسكري الأساسي بعد عامين من القتال المتواصل في غزة ولبنان، متسائلاً بمرارة: كيف يدعي البعض أن وضعنا قد تحسن في ظل هذا الانهيار الشامل؟
المواطن مقابل التابع في زمن الحرب
ويعرج الكاتب أوري مسغاف في حديثه على ضرورة التشكك كأداة للمواطنة الصالحة، رافضاً دور "التابع" الذي ينصاع للأوامر دون سؤال، ويشير أوري مسغاف إلى أن التابع هو من يركض للملجأ بناءً على وعود ضبابية وأهداف متغيرة، بينما تستمر الحكومة في جبابة الضرائب منه لتمويل قطاعات تتهرب من الخدمة العسكرية، ويستشهد بمأساة "نورئيل دوفين" التي قتلت في مفترق محنايم رغم التزامها بتعليمات الجبهة الداخلية بالانبطاح على الأرض، ليؤكد أن هذه التعليمات لا تكفي دائماً لإنقاذ الأرواح في ظل عجز المنظومة الدفاعية عن صد التهديدات المتزايدة.
خديعة مضيق هرمز والرهان على ترامب
وفي ختام تقريره، يتساءل أوري مسغاف عما إذا كان "مضيق هرمز" قد تحول إلى الهدف الجديد للحرب ليحل محل "محور فيلادلفيا"، متسائلاً عما إذا كانت إسرائيل قد تنازلت عن مشروع منع النووي وتغيير النظام مقابل التركيز على الملاحة في المضيق التي كانت مفتوحة أصلاً قبل الحرب، ويبدي أوري مسغاف قلقه الشديد من رهان رئيس الحكومة على الرئيس الأمريكي ترامب، الذي يصفه بالجنون، خاصة بعد تصريحات الأخير حول "الهدية الثمينة" المرتبطة بالنفط والغاز، معتبراً أن شن هجوم على إيران ووكلائها بهذا الاندفاع وبدعم من المعارضة والإعلام هو مقامرة كبرى قد تؤدي بمتخذيها إلى فقدان عقولهم تماماً أمام هول النتائج الكارثية.










