أكد الأستاذ الدكتور عبدالرزاق محمد الدليمي، عميد كلية الإعلام الأسبق بجامعة بغداد، في حديث خاص لموقع "180 تحقيقات"، أن الاعتماد الكلي على النفط يمثل العامل البنيوي الأهم والأخطر في الأزمة الاقتصادية العميقة التي يمر بها العراق منذ عقود.
وأوضح الدليمي أن العراق بعد احتلاله عام 2003 بات يصنف كواحد من أكثر الاقتصادات ارتهاناً لمورد واحد في العالم، حيث يمثل النفط أكثر من 90% من إيرادات الحكومة ويشكل نحو 99% من إجمالي الصادرات العراقية؛ وهذا النموذج الريعي يجعل الدولة العراقية والناتج المحلي الإجمالي الذي يسهم النفط فيه بنسبة تقارب 40% عرضة للاهتزازات الخارجية العنيفة المرتبطة بتقلبات الأسعار العالمية أو الأزمات الجيوسياسية التي قد تعطل مسارات التصدير في أي لحظة.
وقال إن هذا الارتباط العضوي بسلعة واحدة تخضع لقرارات منظمة أوبك وتحولات الأسواق الدولية يضع الاقتصاد العراقي في حالة من الهشاشة الدائمة، حيث تعتمد الدولة بشكل كلي على هذه العائدات لتمويل الرواتب والإنفاق العام، وهو مسار كان يمكن تفاديه لو تم تبني سياسات حكيمة لتنويع الاقتصاد ودعم القطاعات الإنتاجية مثل الزراعة والصناعة والخدمات، وبناء قطاع خاص قوي يسهم في تخفيف الضغط عن كاهل الوظائف الحكومية المتضخمة.
التداعيات الاجتماعية: عندما يدفع المواطن ثمن انهيار الصادرات
يرى الدكتور عبدالرزاق محمد الدليمي أن أي تراجع في صادرات النفط أو انخفاض في أسعاره ينعكس فوراً وبشكل مؤلم على البنية الاجتماعية العراقية، نظراً لأن الدولة هي المشغل الأكبر والوحيد تقريباً للاقتصاد المحلي، مبيناً أن أولى التداعيات تتمثل في الارتفاع الحاد لمعدلات البطالة نتيجة تقليص الإنفاق الحكومي وتوقف المشاريع الحيوية التي تستوعب الأيدي العاملة.
كما حذر الدليمي من انخفاض مستوى المعيشة الذي يتبع تراجع الإيرادات، حيث يؤدي ذلك إلى تأخر دفع الرواتب وتقليل الدعم الحكومي وتراجع جودة الخدمات العامة، مما يضعف القدرة الشرائية للمواطنين ويزيد من رقعة الفقر التي طالت بالفعل واحداً من كل خمسة عراقيين رغم فترات النمو النفطي، وذلك بسبب غياب التوزيع العادل للعوائد النفطية واستفحال البيروقراطية. إن هذه الضغوط الاقتصادية ليست مجرد أرقام، بل هي وقود للاضطرابات الاجتماعية والاحتجاجات الشعبية، وتدفع بالشباب نحو الهجرة أو الانخراط في الاقتصاد غير الرسمي، مما يهدد الاستقرار المجتمعي ويخلق فجوة عميقة بين تطلعات الشعب والواقع المالي للدولة المعتمدة على "الذهب الأسود" وحده.
إعادة الهيكلة: مسارات التحول نحو الاقتصاد الإنتاجي المتنوع
لإخراج العراق من نفق التبعية النفطية، يقترح الدكتور عبدالرزاق محمد الدليمي إستراتيجية شاملة وطويلة المدى لإعادة هيكلة الاقتصاد، تبدأ بتنويع الموارد وتطوير قطاعات بديلة تمتلك فيها البلاد ميزات تنافسية كبرى كالزراعة والصناعات التحويلية والسياحة الدينية والثقافية، مستندة إلى موارد طبيعية وبشرية هائلة لم تُستغل بشكل صحيح حتى الآن.
ويشدد الدليمي على ضرورة دعم القطاع الخاص عبر تسهيل الاستثمار وإصلاح القوانين الاقتصادية المعقدة ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة لتكون قاطرة للنمو، بالتوازي مع إصلاح جذري للنظام المالي لتقليل الاعتماد المفرط على الرواتب الحكومية وتنمية الإيرادات غير النفطية من خلال نظام ضريبي كفؤ.
كما دعا الأستاذ الدكتور إلى الاستثمار المكثف في رأس المال البشري عبر تطوير التعليم والتدريب المهني ليتوافق مع متطلبات التكنولوجيا الحديثة، مؤكداً في الوقت ذاته على ضرورة إنشاء "صندوق سيادي" يحاكي التجارب الناجحة في دول مثل النرويج أو دول الخليج، بحيث يتم استثمار جزء من عائدات النفط للأجيال القادمة وحماية الموازنة العامة من التقلبات المفاجئة في الأسواق، لضمان تحويل الاقتصاد من نموذج ريعي مستهلك إلى نموذج إنتاجي مستدام.
هل تنجح الإرادة السياسية في كسر قيود الريع؟
يختتم الدكتور عبدالرزاق محمد الدليمي تحليله بالتأكيد على أن الأزمة الاقتصادية في العراق ليست أزمة نقص موارد، بل هي أزمة نموذج إداري وسياسي قام على الاقتصاد الريعي الذي جعل البلاد مكشوفة أمام الأزمات العالمية دون غطاء حمائي، مشيراً إلى أن الحل الحقيقي يكمن في وجود إرادة سياسية صلبة تضع مصلحة الوطن فوق الصراعات الحزبية والمصالح الضيقة التي عطّلت الإصلاحات لسنوات طويلة وإن التحول من الاقتصاد الريعي إلى الإنتاجي المتنوع هو ضرورة وجودية وليس مجرد ترف فكري، فاستمرار الوضع الراهن يعني البقاء في حلقة مفرغة من الأزمات المتكررة التي تهدد مستقبل الدولة واستقرارها، وبينما يمتلك العراق كافة المقومات للنهوض مجدداً، يبقى التحدي الأكبر في كيفية توظيف هذه الموارد لبناء اقتصاد قوي ومتين يعتمد على سواعد أبنائه وتنوع موارده، ليكون النفط وسيلة للتنمية لا الغاية الوحيدة منها، وبذلك فقط يمكن للعراق أن يغادر قائمة الدول الهشة اقتصادياً ليصبح قوة إقليمية مستقرة ومزدهرة تلبي طموحات شعبه في حياة حرة وكريمة بعيداً عن تقلبات برميل النفط.










