شهد مخيم البريج الواقع في وسط قطاع غزة، اليوم الأربعاء، وقفة جماهيرية حاشدة ونوعية نظّمتها اللجنة الشعبية للاجئين، تعبيراً عن الرفض المطلق والقاطع لما وصف بالتشريعات العنصرية الإسرائيلية المتطرفة، وعلى رأسها "قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين".

وسادت أجواء من الغضب الشعبي العارم أزقة المخيم، حيث توافد المئات للمشاركة في هذه الفعالية التي تأتي في لحظة فارقة من تاريخ الحركة الأسيرة، عقب مصادقة الكنيست الإسرائيلي يوم الاثنين الماضي على مشروع قانون ينص على فرض عقوبة الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين.
واعتبر المشاركون أن هذا التشريع ليس مجرد إجراء قانوني، بل هو إعلان حرب شعواء تستهدف كسر إرادة الصمود لدى الشعب الفلسطيني عبر استهداف رموزه الوطنية القابعين خلف القضبان، مؤكدين أن غزة رغم جراحها النازفة لن تترك أسراها لقمة سائغة لقرارات الاحتلال الجائرة.
وحدة العشائر والوجهاء
لم تكن الوقفة مجرد تجمهر عابر، بل ضمت حضوراً وازناً من مخاتير ووجهاء العشائر ورجال الإصلاح والشخصيات الاعتبارية، إلى جانب عائلات الأسرى الذين تصدروا المشهد برفع صور أبنائهم المهددين بهذا القانون العنصري.

وردد المشاركون شعارات هادرة صدحت بها حناجرهم، مؤكدة أن المساس بالأسرى يمثل “تجاوزاً خطيراً للخطوط الحمراء” التي لا يمكن السكوت عنها.
وفي هذا السياق، أكد الناطق باسم العشائر واللجان الشعبية في البريج، علي الششنية، أن هذه الوقفة تهدف بالدرجة الأولى لإيصال رسالة واضحة وجلية للاحتلال والعالم بأن الأسرى “ليسوا وحدهم في هذه المعركة”، مشدداً على أن لجوء الكنيست لسنّ مثل هذه القوانين الدموية يعكس بوضوح “حالة من الإفلاس السياسي والتخبط الأمني” لدى الكيان، الذي يحاول تصدير أزماته الداخلية عبر التنكيل بالأسرى العزل.

رسائل صمود من ذوي الأسرى
من وسط الحشود، برز صوت أهالي الأسرى المليء بالتحدي والكبرياء، حيث قال نهاد عوض أحمد، والد الأسير نادر أحمد، إن هذه القوانين والتشريعات الفاشية “لن تزيد عوائل الأسرى إلا إصراراً وتمسكاً بحقوقهم المشروعة”، رغم التهديدات المباشرة التي يتعرض لها أبناؤهم داخل الزنازين.

وأكد أحمد أن الأسرى يمثلون بالنسبة للشعب الفلسطيني “رموزاً مقدسة للحرية”، وأن ذويهم سيواصلون المطالبة بالإفراج عنهم بشتى الوسائل، ولن ترهبهم مشانق الاحتلال أو قوانينه العنصرية.
وطالب المشاركون في ختام الوقفة المجتمع الدولي والمؤسسات الحقوقية بالتحرك العاجل والفوري لنصرة الأسرى ووقف هذه الإجراءات التي تنتهك كافة المواثيق الدولية واتفاقيات جنيف، معلنين عن استمرار الفعاليات الاحتجاجية وتوسعها لتشمل مختلف مخيمات قطاع غزة حتى يتم لجم هذا التغول الإسرائيلي.
تفاصيل قانون الإعدام الجائر
يأتي هذا الغضب الشعبي نتيجة لخطورة البنود التي يتضمنها القانون الجديد، حيث ينص التشريع الذي أقره الكنيست على تنفيذ حكم الإعدام "شنقاً" بحق الأسرى الفلسطينيين الذين يتهمهم الاحتلال بمقاومته وما يثير الرعب الحقوقي هو منح القائمين على تنفيذ هذه الأحكام حصانة قانونية كاملة وسرية مطلقة في الهوية، بما يشرعن القتل بدم بارد دون أي مساءلة مستقبلية.
كما يجيز القانون إصدار أحكام الإعدام دون الحاجة إلى طلب رسمي من النيابة العامة، وبأغلبية بسيطة داخل المحاكم الإسرائيلية، بما فيها المحاكم العسكرية التي تفتقر أصلاً لأدنى معايير المحاكمة العادلة، هذا التسهيل المتعمد لإصدار أحكام القتل يعكس رغبة حقيقية لدى الائتلاف الحاكم في إسرائيل للانتقام من الأسرى وتصفيتهم جسدياً تحت غطاء قانوني زائف، وهو ما حذرت منه كافة الفصائل والقوى الوطنية الفلسطينية.
واقع الأسرى في ظل حرب الإبادة
تتزامن هذه التشريعات مع واقع مأساوي يعيشه أكثر من 9500 أسير فلسطيني يقبعون في السجون الإسرائيلية، من بينهم مئات الأطفال والنساء الذين يواجهون ظروفاً لا إنسانية. وتتحدث التقارير الحقوقية الدولية والمحلية عن تعرض الأسرى لعمليات تعذيب ممنهجة وإهمال طبي متعمد أدى لاستشهاد العشرات منهم داخل السجون.
وقد تصاعدت هذه الإجراءات الانتقامية بشكل جنوني منذ أكتوبر 2023، بالتزامن مع حرب الإبادة الجماعية التي يشنها الاحتلال على قطاع غزة بدعم أمريكي غير محدود. هذه الحرب التي استمرت لعامين وأسفرت عن سقوط أكثر من 72 ألف شهيد و172 ألف جريح، معظمهم من الأطفال والنساء، يبدو أنها انتقلت بآلتها التدميرية من الشوارع والبيوت في غزة إلى غرف التحقيق والزنازين، في محاولة يائسة من الاحتلال لفرض واقع جديد ينهي القضية الفلسطينية عبر تصفية الإنسان والأرض والذاكرة.
المطالب الشعبية والوطنية
إن الوقفة الشعبية في البريج تمثل شرارة لتحرك أوسع يهدف إلى حماية الحركة الأسيرة من "مذبحة قانونية" وشيكة وقد أعلن الوجهاء والعشائر في موقف موحد أن أي مساس فعلي بحياة أي أسير سيقابل برد فعل شعبي ووطني واسع النطاق، مؤكدين وحدة المصير بين غزة والضفة والأسرى في السجون وإن الرسالة الموجهة للعالم اليوم هي ضرورة التوقف عن سياسة الكيل بمكيالين، والضغط الجدي على حكومة الاحتلال لإلغاء هذا القانون العنصري فوراً.
ويرى مراقبون أن استمرار الاحتلال في هذا المسار سيقود إلى تفجير الأوضاع بشكل لا يمكن السيطرة عليه، حيث يعتبر الشعب الفلسطيني قضية الأسرى "قدس الأقداس" وجوهر الصراع، ولن يسمح تحت أي ظرف من الظروف بأن تتحول قاعات المحاكم العسكرية إلى مسالخ قانونية تزهق فيها أرواح المناضلين من أجل الحرية والكرامة.








