4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

وهم النصر المطلق: بين وعود نتنياهو وحقائق الميدان في جنوب لبنان

بعد مقتل ضابط وثلاثة جنود من كتيبة الهندسة في لواء ناحل، مساء يوم الإثنين الماضي في جنوب لبنان، ارتفع عدد القتلى الإسرائيليين منذ بداية الحرب الجديدة على إيران إلى ثلاثين قتيلاً

بقلم: أخبار ومتابعات
٢ أبريل ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
6 مشاهدة
لبنان

لبنان

بعد مقتل ضابط وثلاثة جنود من كتيبة الهندسة في لواء ناحل، مساء يوم الإثنين الماضي في جنوب لبنان، ارتفع عدد القتلى الإسرائيليين منذ بداية الحرب الجديدة على إيران إلى ثلاثين قتيلاً، وهو رقم يعادل تقريبًا حصيلة قتلى حرب الأيام الاثني عشر مع إيران في شهر حزيران الماضي، والتي سقط خلالها أحد عشر قتيلاً على جبهة لبنان، وفقًا لما أوردته صحيفة «هآرتس».

غير أن هذا الرقم لا يعكس الحجم الحقيقي للخسائر البشرية، إذ تأتي هذه الجولة ضمن سياق حرب ممتدة بدأت منذ هجوم السابع من أكتوبر 2023، الذي تصفه إسرائيل بـ"المذبحة"، وأسفر عن مقتل أكثر من ألفي إسرائيلي، بينهم نحو تسعمائة جندي، فضلًا عن حالات انتحار لجنود شاركوا في الحرب أو تأثروا بها بشكل مباشر، بحسب تقارير إعلامية إسرائيلية، ما يعكس عمق الأثر النفسي والاجتماعي للصراع المستمر.

لبنان وذاكرة الحروب السابقة


وقعت العملية الأخيرة في قرية بيت ليف، وهي منطقة تحمل دلالات تاريخية عسكرية عميقة في الذاكرة الإسرائيلية، إذ كانت جزءًا من "المنطقة الأمنية" التي أقامتها إسرائيل في جنوب لبنان قبل انسحابها في أيار 2000. ولا تزال أسماء قرى مثل بيت ليف ودبل وياطر محفورة في ذاكرة أجيال من الإسرائيليين الذين خدموا في تلك المنطقة خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي.

تُظهر هذه العودة إلى نفس الجغرافيا حالة من التذبذب في الموقف الإسرائيلي تجاه لبنان. فحرب لبنان الأولى رُسّخت في الوعي العام باعتبارها حربًا مضللة، رغم ما اعتُبر آنذاك انتصارًا على منظمة التحرير الفلسطينية، لكنها مهّدت لصراع طويل ودموي مع «حزب الله». وقد حظي قرار الانسحاب عام 2000 بإجماع واسع داخل المجتمع الإسرائيلي، بعد سنوات من الخسائر التي اعتُبرت بلا جدوى، حيث تراوح عدد القتلى السنوي بين 15 و20 جنديًا خلال التسعينيات.

تحولات ما بعد 2006
أعاد أسر جنود الاحتياط في عام 2006 إشعال الجدل حول جدوى الانسحاب، ما أدى إلى اندلاع حرب لبنان الثانية، التي انتهت دون حسم واضح، وأعادت القوات الإسرائيلية إلى حدودها الدولية. لكن المشهد تغيّر بشكل جذري بعد هجوم السابع من أكتوبر 2023، الذي مثّل نقطة تحول استراتيجية في طبيعة الصراع.

بحسب الرواية الإسرائيلية الرسمية، خرج الجيش من المواجهة مع «حزب الله» في خريف 2024 بانتصار واضح، إلا أنه لم ينسحب بشكل كامل من الأراضي اللبنانية، حيث احتفظ بخمسة مواقع عسكرية داخل الجنوب. ورغم إعلان وقف إطلاق النار، استمرت العمليات الإسرائيلية ضد الحزب دون رد مباشر لفترة، ما عزز الانطباع الداخلي بوجود تفوق ميداني.

 

ثغرات الرواية الإسرائيلية
لكن هذا التصور بدأ يتصدع مع انخراط «حزب الله» مجددًا في المواجهة عقب اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، وهي خطوة كشفت عن فجوة بين الخطاب الرسمي الإسرائيلي والواقع الميداني. فوفقًا لتحليلات عسكرية نشرتها وسائل إعلام إسرائيلية، استغل الحزب فترة القصف لإعادة تنظيم صفوفه وتعزيز قدراته في مناطق مختلفة.

ورغم أن الحزب لم يعد قادرًا على إطلاق مئات الصواريخ يوميًا نحو وسط إسرائيل كما كان يُخشى، إلا أنه نجح في تبني تكتيكات حرب العصابات، مستهدفًا القوات الإسرائيلية المنتشرة بين الحدود ونهر الليطاني. كما يواصل إطلاق نحو مئتي صاروخ وطائرة مسيّرة يوميًا نحو الشمال، وهو رقم يفوق توقعات الشارع الإسرائيلي الذي كان يعتقد أن الحزب قد تم تحييده.

الانتشار العسكري وتعقيداته
تعتمد العمليات الإسرائيلية في الشمال على معظم الألوية النظامية، باستثناء تلك المنتشرة في قطاع غزة، بينما تم تقليص مشاركة قوات الاحتياط في العمليات البرية داخل لبنان. ويُقدّر عدد جنود الاحتياط الذين تم استدعاؤهم بنحو 120 ألفًا، يتركز دورهم في تعويض القوات النظامية في الضفة الغربية وقطاع غزة ومناطق أخرى.

وقد نجح الجيش الإسرائيلي في السيطرة على "الخط الثاني" من القرى في جنوب لبنان، على مسافة تتراوح بين 8 و10 كيلومترات من الحدود، ما خفف من تهديد الصواريخ المضادة للدروع، لكنه لم يقضِ عليه بالكامل. إذ يمتلك «حزب الله» منظومات صاروخية لا تعتمد على خط رؤية مباشر، إلى جانب صواريخ ذات مسار حاد تُطلق من مناطق شمال الليطاني.

حرب استنزاف مفتوحة
تشير التقديرات العسكرية إلى وجود جيوب نشطة لقوة "الرضوان" التابعة للحزب في تلك المناطق، حيث يركز الجيش الإسرائيلي نيرانه لمحاولة تحييدها. غير أن التقدم نحو نهر الليطاني لا يزال محدودًا، لأسباب جغرافية وتكتيكية، منها تجنب تمركز القوات في مناطق منخفضة قد تعرضها لهجمات فعالة.

في المقابل، تستمر عمليات التمشيط جنوبًا، وسط وجود خلايا نشطة وبنية تحتية قتالية تشمل مراكز قيادة ومخابئ وربما أنفاق لم يتم تدميرها سابقًا. ووفقًا لتقديرات الجيش الإسرائيلي، نزح نحو 1.4 مليون مدني من جنوب لبنان، معظمهم من الشيعة، نتيجة القصف، بينما بقيت بعض القرى المسيحية خارج نطاق العمليات بسبب غياب نشاط «حزب الله» فيها.

خطاب سياسي مقابل واقع ميداني
في هذا السياق، زار رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو قيادة المنطقة الشمالية، ونشر مقطع فيديو تعهد فيه بتوسيع العمليات حتى تحقيق "النصر المطلق" على «حزب الله»، متحدثًا عن "إنجازات تاريخية"، وفقًا لما نقلته وسائل إعلام إسرائيلية.

غير أن هذا الخطاب السياسي يواجه تشكيكًا متزايدًا من داخل المؤسسة العسكرية نفسها. فبحسب شهادات ضباط احتياط، من بينهم المقدم حانوخ دوبا، فإن حجم القوات المنتشرة لا يتناسب مع الأهداف المعلنة، وأن الحديث عن نصر حاسم يبدو بعيدًا عن الواقع العملياتي.

تحذيرات من تكرار الماضي
يرى دوبا، الذي شارك في حرب 2006 وأُصيب خلالها، أن تمركز القوات الإسرائيلية في المناطق الجبلية سيجعلها عرضة لهجمات متكررة بالصواريخ المضادة للدروع، ما قد يؤدي إلى تصعيد تدريجي في وتيرة الاشتباكات، شبيه بما حدث في تجارب سابقة.

ويحذر من أن غياب قرار استراتيجي واضح، في ظل استمرار المواجهة مع إيران واستنزاف القوات في الضفة الغربية، قد يدفع إسرائيل نحو سيناريو حرب استنزاف طويلة، بدلًا من تحقيق نصر سريع كما يروج له الخطاب الرسمي، وهو ما يعمّق الفجوة بين التصريحات السياسية والوقائع على الأرض

أخبار ومتابعات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

وهم النصر المطلق: بين وعود نتنياهو وحقائق الميدان في جنوب لبنان - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°