أصدرت وزارة الصحة في قطاع غزة، اليوم الخميس، تقريراً إحصائياً جديداً يحمل في طياته أرقاماً مفزعة تعكس حجم الكارثة الإنسانية التي لا تزال تضرب أطنابها في كافة محافظات القطاع.
حيث أكدت الوزارة أن 713 شهيداً قد ارتقوا منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر من العام المنصرم، مما يشير بوضوح إلى أن آلة الحرب الإسرائيلية لم تتوقف عن حصد الأرواح رغم التفاهمات الدولية المعلنة.
إن هذه الحصيلة الثقيلة في مرحلة يُفترض أنها مرحلة تهدئة، تضع المجتمع الدولي والوسطاء أمام تساؤلات كبرى حول جدوى هذه الاتفاقيات وقدرتها على توفير الحماية الفعلية للمدنيين الفلسطينيين الذين يواجهون الموت بشكل يومي، سواء عبر الاستهداف المباشر أو متأثرين بجراح سابقة في ظل انهيار شبه كامل للمنظومة الطبية والخدماتية التي باتت عاجزة عن التعامل مع حجم الإصابات والضحايا الذين يتدفقون إلى المستشفيات المتهالكة التي تفتقر لأدنى المستلزمات الجراحية والوقود اللازم لتشغيل غرف العمليات.
إحصائيات الـ 24 ساعة الماضية والواقع الميداني
وفي تفاصيل الوضع الميداني خلال الساعات الأخيرة، ذكرت وزارة الصحة في تقريرها المحدث أن مستشفيات قطاع غزة استقبلت خلال الـ 24 ساعة الماضية ثلاث إصابات فقط، وهو رقم قد يبدو منخفضاً مقارنة بالأيام الدامية السابقة، إلا أنه لا يعكس حقيقة الواقع المأساوي على الأرض، فالمناطق الحدودية ومناطق التماس لا تزال تشهد تحركات عسكرية تمنع المواطنين من التحرك بحرية.
وأوضحت الوزارة أن انخفاض عدد الواصلين للمستشفيات لا يعني توقف العدوان، بل يعود في جزء كبير منه إلى الصعوبات البالغة التي تواجهها أطقم الإسعاف في الوصول إلى مناطق الحدث، بالإضافة إلى تعمد الاحتلال إغلاق الطرقات واستهداف سيارات الإغاثة، مما يجعل المصابين ينزفون حتى الموت في شوارع غزة دون أن يتمكن أحد من تقديم المساعدة الطبية الأولية لهم، وهو ما يفسر الفجوة الكبيرة بين عدد الشهداء المعلن وبين عدد الجرحى الذين يتمكنون من الوصول فعلياً إلى مراكز الرعاية الطبية في ظل الحصار المطبق الذي يحرم الجرحى من فرص النجاة.
مأساة العالقين تحت الركام وفي الطرقات
وشددت وزارة الصحة في بيانها الصادر اليوم على قضية إنسانية في غاية الخطورة، وهي وجود عدد كبير من الضحايا الذين لا يزالون تحت الركام وفي الطرقات العامة، حيث تعجز طواقم الإسعاف والدفاع المدني عن الوصول إليهم حتى هذه اللحظة نتيجة القصف المتواصل أو نقص المعدات الثقيلة اللازمة لرفع الأنقاض.
إن هذه المشاهد المأساوية لجثامين الشهداء الملقاة في الشوارع دون مواراة للثرى تعكس مدى الوحشية التي وصلت إليها العمليات العسكرية، حيث يتم حرمان العائلات حتى من حق دفن ذويهم بكرامة، ويتحول الركام الذي كان يوماً بيوتاً آمنة إلى مقابر جماعية تضم مئات المفقودين الذين لم يُدرجوا بعد في القوائم الرسمية للشهداء بشكل نهائي.
ويؤكد الدفاع المدني في غزة أن إمكانياته المادية قد نفدت تماماً، وأن العالم يشاهد بصمت كيف تتلاشى فرص إنقاذ أي أحياء قد يكونون عالقين تحت أطنان من الأسمنت المسلح، مما يرفع من سقف التوقعات بارتفاع الحصيلة النهائية للشهداء بمجرد توفر الظروف الملائمة لانتشالهم.
الحصيلة التراكمية منذ السابع من أكتوبر
وعلى صعيد الحصيلة التراكمية منذ بداية العدوان الإسرائيلي الشامل في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، كشفت وزارة الصحة عن أرقام مرعبة تجسد حجم الإبادة الجماعية التي يتعرض لها القطاع، حيث بلغ العدد التراكمي للشهداء 72 ألفاً و289 شهيداً، في حين وصل العدد التراكمي للإصابات إلى 172 ألفاً و43 مصاباً بجروح متفاوتة، جزء كبير منها إعاقات دائمة سترافق المصابين طوال حياتهم.
هذه الأرقام تعني أن قرابة 10% من سكان قطاع غزة قد وقعوا بين شهيد وجريح، وهي نسبة لم تُسجل في أي صراع مسلح معاصر خلال هذه الفترة الزمنية القصيرة، مما يستدعي تدخلاً دولياً عاجلاً لإيقاف هذه المذبحة المستمرة.
إن هذه الإحصائيات ليست مجرد أرقام تُتلى في النشرات الإخبارية، بل هي حيوات دُمرت وعائلات مُسحت بالكامل من السجل المدني، وقصص إنسانية طُمست معالمها تحت أنقاض المنازل والمستشفيات والمدارس التي لم تسلم من القصف المركز والممنهج طوال أشهر العدوان.
فشل الاتفاقيات وتصاعد وتيرة الانتهاكات
إن ارتقاء 713 شهيداً منذ اتفاق تشرين الأول/أكتوبر الماضي يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الجانب الإسرائيلي يستخدم فترات "التهدئة" كستار لمواصلة عمليات الاغتيال والقصف الموضعي الذي يستنزف الروح الفلسطينية ببطء.
إن هذا الفشل الذريع للاتفاقيات الدولية في توفير الأمن للغزيين يضعف الثقة في أي مسارات سياسية قادمة، ويدفع بالأوضاع الميدانية نحو مزيد من الانفجار، فالشعب الفلسطيني في غزة يرى أن الموت يلاحقه سواء كان هناك اتفاق أم لا، مما يزيد من حالة اليأس والإحباط الشعبي تجاه المنظومة الدولية التي تكتفي ببيانات القلق بينما تستمر المجازر على الأرض.
إن المطلوب الآن هو تجاوز لغة الأرقام والبيانات نحو خطوات عملية تضمن وقفاً فورياً ودائماً لإطلاق النار، وفتح المعابر لادخال المساعدات الطبية والوقود، والسماح لفرق الدفاع المدني الدولية بالدخول للمساعدة في انتشال جثامين الشهداء وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من تحت الركام قبل فوات الأوان.









