أكدت المحللة السياسية الفلسطينية، الدكتورة تمارا حداد، أن التحذيرات الصادرة عن مدير مجمع الشفاء الطبي في غزة ليست مجرد صرخة عابرة، بل هي مؤشر حقيقي على أن القطاع الصحي يقف فعلياً على حافة انهيار شامل ومصيري.
وأوضحت حداد في تصريحات خاصة لموقع "180 تحقيقات" أن حجم الكارثة يمكن فهمه عبر ثلاثة مستويات مترابطة تبدأ من حجم الخطر الصحي المباشر، وتمر بتأثير نفاد زيوت المولدات، وصولاً إلى دور المجتمع الدولي المتعثر في احتواء هذا الانهيار، مشيره إلى أن الكارثة الإنسانية تتفاقم بشكل يومي، ما أدى إلى انهيار القدرة العلاجية وفقدان 48% من الأدوية الأساسية و70% من المستستلزمات الطبية داخل القطاع، مما جعل نحو 350 ألف مريض مزمن يواجهون صعوبة حادة في الحصول على أدنى مستويات العلاج، فضلاً عن آلاف الجرحى الذين يحتاجون لعمليات عاجلة تعجز المستشفيات عن إجرائها.
مرضى الكلى والخدّج تحت مقصلة انقطاع الكهرباء
حذرت الدكتورة تمارا حداد من وجود خطر حقيقي يتهدد الفئات الأكثر عرضة للموت السريع في حال استمرار تدهور الوضع، وفي مقدمتهم مرضى العناية المكثفة، ومرضى غسيل الكلى، والأطفال الخدّج في الحاضنات، بالإضافة إلى مرضى القلب والسرطان.
وأكدت حداد أن توقف الكهرباء يعني تحول المستشفيات إلى مقابر جماعية نتيجة توقف الأجهزة المنقذة للحياة فوراً، مشيرة إلى احتمال انتشار الأوبئة نتيجة التلوث البيئي وتسرب مياه الصرف وتراكم النفايات الطبية والمنزلية، وهو ما يضاعف من تراجع قدرة النظام الصحي الذي يعاني أصلاً من سنوات الحصار الطويلة والدمار المتراكم الذي طال البنية التحتية الطبية في غزة.
خروج 90 مولداً عن الخدمة يوقف بنوك الدم والأشعة
وفيما يتعلق بمنظومة الطاقة البديلة، كشفت الدكتورة تمارا حداد أن نفاد زيوت المولدات أدى إلى شلل تام في عمل المستشفيات وتوقف الأجهزة الحيوية، بما في ذلك أجهزة التنفس الصناعي وحضانات الأطفال وأجهزة غسيل الكلى، وصولاً إلى إغلاق غرف العمليات وبنوك الدم وأقسام الأشعة التي تعتمد كلياً على التيار الكهربائي المستمر.
وأشارت إلى خروج نحو 90 مولداً كهربائياً بالفعل من الخدمة بسبب نقص الوقود والزيوت وغياب الصيانة، مؤكدة أن أي عطل بسيط في هذه المولدات يصبح غير قابل للإصلاح بسبب منع الاحتلال إدخال قطع الغيار والزيوت الصناعية، مما يخلق بيئة مثالية للأوبئة وسوء التغذية ويؤثر بشكل مباشر على خدمات المياه والصرف الصحي والمخابز.
دور المنظمات الدولية: بين الضغط الإغاثي وعقبات الإخلاء الطبي الخارجي
وتحدثت عن الدور المحوري المفترض للمنظمات الدولية في ثلاثة مسارات أساسية: التدخل الإغاثي العاجل، والضغط لإدخال الوقود والزيوت وقطع الغيار، وتوفير الشحنات الطبية الطارئة.
وأضافت حداد أن لهذه المنظمات دوراً حاسماً في ملف الإخلاء الطبي لنقل المرضى الذين استحال علاجهم داخل غزة، وفتح ممرات إنسانية لإنقاذ نحو 22 ألف مريض حُرموا من السفر، بالإضافة إلى توفير الحماية القانونية للمنشآت الطبية بموجب القانون الدولي. ومع ذلك، شددت حداد على أن المشكلة الأساسية تكمن في أن انقطاع الكهرباء والقيود الميدانية المشددة تعرقل قدرة هذه المنظمات على تقييم الاحتياجات بدقة أو إيصال المساعدات بانتظام للمناطق الأكثر تضرراً.
في ختام تصريحاتها لـ "180 تحقيقات"، قالت الدكتورة تمارا حداد إن المشهد يمثل ثلاث طبقات من الخطر المتزامن: نقص الدواء، وتوقف الأجهزة الحيوية، وانهيار منظومة الطاقة البديلة وحذرت من أنه إذا استمر نقص الوقود والزيوت أياماً إضافية دون تدخل دولي حاسم، فإن السيناريو المرجح ليس فقط زيادة أعداد الوفيات، بل انهيار القدرة العلاجية بالكامل وتحول الأزمة الصحية إلى كارثة إنسانية واسعة النطاق لا يمكن السيطرة عليها وإن هذا الواقع المأساوي يضع العالم أمام اختبار أخلاقي أخير لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في غزة، قبل أن تتحول صرخات الأطباء إلى صمت جنائزي يطبق على ما تبقى من حياة في القطاع المنكوب.







