أكد المحلل الاقتصادي أحمد أبو قمر، أن الأزمات السياسية والاقتصادية الراهنة في عام 2026 تنعكس بشكل كارثي على الفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتهم الأطفال، معتبراً أن الاقتصاد هو المدخل الرئيسي للأزمات الاجتماعية والنفسية.
وأوضح أبو قمر في تصريحات خاصة لموقع "180 تحقيقات" أن الوضع في قطاع غزة ما بعد الحرب اتخذ منحىً مأساوياً بسبب حالة النزوح القسري التي أضرت بالأطفال بشكل غير مسبوق، حيث لم تقتصر المعاناة على الجوع والتشريد، بل امتدت لتشمل الحرمان من التعليم للعام الثالث على التوالي، هذا الواقع خلق ظواهر اجتماعية خطيرة، أبرزها استفحال عمالة الأطفال كآلية وحيدة للبقاء، وسط انهيار كامل للمنظومات الحمائية التي كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي والنفسي لهذا الجيل الذي بات يواجه مستقبلاً مجهولاً في ظل غياب أي أفق للحلول الاقتصادية الجذرية.
فقر مدقع يطال 90% من الأسر وتدهور حاد في الأمن الغذائي
وفي قراءة رقمية صادمة للواقع المعيشي، أشار أبو قمر إلى أن تدهور الاقتصاد أدى إلى ارتفاع معدلات الفقر في مجمل المجتمع الغزي لتفوق نسبة 90%، مما يعني أن الغالبية الساحقة من الأسر تعاني من الفقر المدقع هذا الفقر لا يتوقف عند حدود نقص السيولة، بل يمتد ليضرب بعمق في "الأمن الغذائي" للأطفال، حيث تعجز الأسر عن تلبية المتطلبات الأساسية للنمو السليم.
إن تدمير البنية التحتية لم يكن مجرد هدم للمباني، بل كان تدميراً لمعدلات التنمية البشرية، مما خلق صعوبات هائلة في الوصول إلى الخدمات الأساسية. ويرى أبو قمر أن الاقتصاد الدولي ككل يتأثر بهذا الانهيار، لكن التكلفة الحقيقية تدفعها الأسرة الغزية التي فقدت قدرتها على توفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة لأطفالها، مما يراكم أزمات اجتماعية ونفسية طويلة الأمد ستعاني منها الأجيال القادمة لسنوات طويلة.
جيل بلا إنتاجية: سياسة التجريد الممنهجة والاعتماد على المساعدات
من أخطر إفرازات الحرب الحالية، حسب تصريحات أبو قمر، هي خلق جيل "غير منتج" قسرياً، نتيجة السياسة الإسرائيلية التي جردت قطاع غزة من أدوات الإنتاج ومنعت دخول المواد الخام هذا النهج دفع السكان بالمجمل نحو النزوح القسري والاعتماد الكلي على المساعدات الإغاثية الشحيحة، مما أدى إلى حالة من الركود الإجباري حيث يجلس المواطن في خيمته ينتظر المساعدة دون قدرة على العمل أو الابتكار.
إن هذا التجريد من الإنتاجية يمثل ضربة قاضية للبنية الاقتصادية المجتمعية، حيث تحول المجتمع من مجتمع حيوي يسعى للتنمية إلى مجتمع يعيش على الكفاف، وهو ما يؤدي إلى خسائر سنوية غير مباشرة تقدر بمليارات الدولارات، ويهدد بمحو عقود من الكفاح الاقتصادي الفلسطيني الذي كان يسعى لبناء مؤسسات وطنية مستقلة ومنتجة.
التكلفة الطويلة الأمد: ضياع عقود التنمية وأزمة الأيتام المتصاعدة
وبالحديث عن التكلفة الاقتصادية بعيدة المدى، استشهد أبو قمر بتقارير الأمم المتحدة التي تؤكد أن الحرب الحالية محت أكثر من 50 إلى 60 عاماً من التنمية الاقتصادية في غزة، مما يعني تراجعاً حاداً في قطاعي التعليم والرعاية الصحية لمستويات ما قبل العقود الماضية.
كما لفت المحلل الاقتصادي إلى قضية "الارتفاع المهول في معدلات الأيتام"، حيث فقد آلاف الأطفال معيليهم الأساسيين خلال الحرب إن وجود هذا العدد الضخم من الأيتام يعني في المنظور الاقتصادي زيادة العبء على الأسر المتبقية وعجزها عن تلبية الاحتياجات اليومية، مما يعمق الفجوة الاقتصادية والاجتماعية.
وختم أبو قمر تصريحاته بالتحذير من أن استمرار هذا الوضع يؤكد أن أطفال غزة هم الضحية الأولى لعملية "المحو التنموي"، وأن استعادة ما تم فقدانه قد تتطلب عقوداً من العمل الشاق والتمويل الدولي الضخم لإعادة إحياء ما دمرته آلة الحرب الصهيونية.










