أعلنت وزارة الخارجية الصينية أن وزير الخارجية وانغ يي سيزور كوريا الشمالية، في خطوة تعكس تحركات دبلوماسية متجددة بين البلدين. وتشير هذه الزيارة إلى جهود مشتركة لإحياء العلاقات التي تراجعت بعد جائحة كورونا والغزو الروسي لأوكرانيا. كما تعكس محاولة لإعادة بناء قنوات التواصل التي تأثرت خلال السنوات الماضية.
وتُعد هذه الزيارة الأولى من نوعها منذ الزيارة العلنية الأخيرة لوانغ يي إلى كوريا الشمالية أواخر عام 2019. وجاءت تلك الزيارة حينها بعد تبادل زيارات بين قيادتي البلدين في نفس العام. كما يعكس هذا الانقطاع الطويل حجم التراجع الذي أصاب العلاقات الثنائية خلال الفترة الماضية.
وأكدت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية ماو نينغ أن الصين مستعدة لتعزيز التواصل الاستراتيجي مع كوريا الشمالية. وأضافت أن بكين تسعى إلى توسيع مجالات التبادل والتعاون بين الجانبين. كما وصفت الزيارة المرتقبة، المقررة بين 9 و10 أبريل، بأنها خطوة مهمة لتعزيز العلاقات الثنائية.
الصين وإعادة تنشيط العلاقات
عملت بكين خلال الفترة الماضية على إعادة جذب بيونغ يانغ إلى دائرة نفوذها الإقليمي. ويأتي ذلك بعد أن أدت جائحة كورونا إلى تجميد التبادلات بين البلدين بشكل شبه كامل. كما تزامن ذلك مع توجه الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون لتعزيز علاقاته مع موسكو.
وشمل هذا التقارب إرسال قوات وأسلحة دعماً للجهود الروسية في الحرب بأوكرانيا. وهو ما أثار قلقاً في بكين من احتمال تراجع نفوذها التقليدي في بيونغ يانغ. كما دفعها إلى تكثيف تحركاتها لاستعادة دورها المحوري في العلاقة مع كوريا الشمالية.
وفي إطار هذه الجهود، استؤنفت خدمة القطارات بين بكين وبيونغ يانغ في مارس الماضي بعد توقف دام ست سنوات منذ بداية الجائحة في 2020. كما أعادت شركة الطيران الوطنية الصينية تشغيل الرحلات الجوية بين العاصمتين. إلا أن هذه الخطوات لم تنعكس بعد على حركة السياحة، حيث اقتصرت الحجوزات على رجال الأعمال والطلاب.
زيارات متبادلة
شهدت العلاقات بين البلدين سلسلة من الزيارات المتبادلة على مستويات مختلفة خلال الفترة الأخيرة. فقد سافر كيم جونغ أون إلى بكين في سبتمبر على متن قطار مدرع. وجاءت الزيارة للمشاركة في عرض عسكري ضخم إلى جانب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وقادة آخرين.
وخلال تلك الزيارة، التقى كيم بالرئيس الصيني شي جين بينغ، في لقاء حمل دلالات سياسية مهمة. وعكس اللقاء رغبة الطرفين في تعزيز التنسيق المشترك في ظل المتغيرات الدولية. كما مثّل محطة بارزة في إعادة تنشيط العلاقات الثنائية.
وفي أكتوبر، قام رئيس مجلس الدولة الصيني لي تشيانغ بزيارة إلى بيونغ يانغ. وتؤكد هذه الزيارة استمرار التواصل السياسي على أعلى المستويات. كما تعكس اهتمام الصين بالحفاظ على استقرار علاقتها مع كوريا الشمالية.
سياق استراتيجي
أكدت ماو نينغ أن الحفاظ على العلاقات بين الصين وكوريا الشمالية وتطويرها يمثل سياسة استراتيجية ثابتة للحزب والحكومة في الصين. ويعكس هذا التصريح تمسك بكين بعلاقتها التاريخية مع بيونغ يانغ. كما يشير إلى أن هذه العلاقة تمثل جزءاً من التوازنات الإقليمية في شرق آسيا.
وتأتي زيارة وانغ يي أيضاً في سياق الاستعدادات لقمة مرتقبة بين الرئيس الصيني شي جين بينغ والرئيس الأمريكي دونالد ترامب الشهر المقبل. وتشير تقارير إلى احتمال تنسيق صيني كوري شمالي قبل هذه القمة. كما يعكس ذلك أهمية الملف الكوري الشمالي في العلاقات بين بكين وواشنطن.
وذكرت وكالة الأنباء الكورية الجنوبية أن هذا التنسيق قد يشمل قضايا أمنية واستراتيجية. ويؤكد ذلك أن الزيارة تتجاوز الطابع الثنائي لتشمل أبعاداً دولية أوسع. كما يعكس ارتباط الملف الكوري الشمالي بالتوازنات الكبرى بين القوى العالمية.
أفق المفاوضات
أبدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اهتماماً متكرراً باستئناف المحادثات المباشرة مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون خلال ولايته الثانية. إلا أن هذه المحادثات لم تتحقق حتى الآن. كما يراقب محللون احتمال عقد لقاء رابع بين الطرفين بعد ثلاث قمم سابقة كان آخرها في 2019.
وفي فبراير، قال كيم إنه "لا يوجد سبب" يمنع كوريا الشمالية والولايات المتحدة من "التفاهم جيداً". لكنه اشترط اعتراف واشنطن بكوريا الشمالية كدولة نووية. كما دعا إلى التخلي عن ما وصفه بالسياسة "العدائية" تجاه بيونغ يانغ.
ويعكس هذا الموقف استمرار التعقيدات التي تعيق أي تقدم في المفاوضات. كما يشير إلى أن الطريق نحو اتفاق شامل لا يزال مليئاً بالتحديات. وفي ظل هذه المعطيات، تكتسب زيارة وانغ يي أهمية خاصة باعتبارها جزءاً من إعادة ترتيب المشهد الإقليمي والدولي.






