أكدت المحللة السياسية الفلسطينية، الدكتورة تمارا حداد، أن منطقة الشرق الأوسط تمر حالياً بمنعطف تاريخي وشديد الحساسية أعقب إعلان الهدنة التي جاءت نتيجة تصعيد عسكري غير مسبوق شمل جبهات متعددة.
وأوضحت حداد في تصريحات خاصة لموقع "180 تحقيقات" أن الساحة الإقليمية تضج بتساؤلات جوهرية حول طبيعة هذه التهدئة، وما إذا كانت تمثل حجر الزاوية لمسار سياسي حقيقي يهدف إلى إنهاء النزاعات المزمنة، أم أنها مجرد مناورة تكتيكية واستراحة محارب تسبق جولة مواجهات أكثر ضراوة وعنفاً من سابقاتها، وفي ظل تداخل الملفات الجيوسياسية المعقدة الممتدة من الخليج العربي مروراً بلبنان وصولاً إلى قطاع غزة، تبدو هذه الهدنة بمثابة اختبار شامل لموازين القوى الإقليمية والدولية ومدى قدرتها على ضبط الإيقاع الأمني في منطقة لا تهدأ صراعاتها.
وترى الدكتورة تمارا حداد أن الهدنة الحالية، وبناءً على كافة المؤشرات الميدانية والسياسية المتاحة، لا ترقى لتكون اتفاقاً نهائياً أو حلاً مستداماً، بل هي في جوهرها عملية "إدارة مؤقتة للأزمة" لمنع الانفجار الكبير، فالجهات المتصارعة لم تعالج حتى اللحظة الجذور العميقة للصراع، بل اختارت وقف التصعيد عند سقف معين لتفادي الانزلاق نحو حرب إقليمية شاملة قد تخرج عن السيطرة وتدمر مصالح الجميع وإن هذا الواقع يفرض حالة من الترقب، حيث تظل التهدئة معلقة برغبات الأطراف في الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الميداني، دون وجود ضمانات حقيقية تحول دون عودة الانفجار العسكري إذا ما استشعرت أي جهة خطراً يهدد وجودها أو نفوذها الاستراتيجي.
مستقبل الهدنة والمسار البريطاني
وأشارت حداد إلى وجود عاملين متناقضين يحكمان استمرارية هذه الهدنة؛ فمن جهة، تبرز عوامل تدعم بقاء التهدئة مثل حالة الإرهاق العسكري والاقتصادي التي أصابت أطراف الصراع، والضغط الدولي الكثيف لمنع توسع رقعة المواجهات، بالإضافة إلى مخاوف القوى الكبرى من انهيار أسواق الطاقة العالمية وتعطل حركة الملاحة الدولية. ومن جهة أخرى، تبرز مهددات جدية تتمثل في استمرار الضربات المحدودة واستخدام فترات الهدوء لإعادة التموضع العسكري وتعزيز القدرات القتالية، مع غياب كامل لأي رؤية سياسية شاملة وبناءً على ذلك، تصف حداد الوضع الراهن بأنه "هدنة ردع مؤقتة"، حيث يظل احتمال التصعيد قائماً وبقوة في حال حدوث أي تغير مفاجئ في الحسابات الميدانية أو موازين القوى على الأرض.
وعلى صعيد التحركات الدولية، تلفت حداد النظر إلى الدور البريطاني المتصاعد، خاصة مع النشاط السياسي المكثف لحكومة كير ستارمر، التي تسعى لاستعادة دور لندن التقليدي كلاعب أمني ومحور وسيط في منطقة الخليج، وتتلخص الأهداف البريطانية في ثلاثة محاور: حماية طرق التجارة والطاقة في البحر الأحمر والخليج، ومنع انزلاق الصراع الإيراني الغربي إلى مستويات تهدد الاقتصاد العالمي، ودفع المسار الدبلوماسي لوقف إطلاق النار في غزة، ورغم هذه الجهود، تؤكد حداد أن بريطانيا لا تملك القدرة المنفردة على فرض حلول، بل تعمل ضمن تحالف غربي-عربي لتثبيت التهدئة، مع التحذير من أن أي تحرك قد يُفهم كاصطفاف عسكري صريح قد يؤدي لنتائج عكسية ويدفع الأطراف الإقليمية نحو مزيد من التصعيد.
تحديات إنسانية وميدانية
ينعكس الوضع في لبنان بشكل مباشر على فهم مستقبل قطاع غزة؛ فوفقاً لرؤية تمارا حداد، فإن استمرار الغارات والتوترات الأمنية في لبنان رغم الهدنة الإقليمية يشير إلى أن المنطقة قد دخلت مرحلة "الاشتباك منخفض الشدة"، حيث يتحول الصراع من مواجهة مفتوحة إلى حرب استنزاف طويلة وإذا ما تم استنساخ هذا النموذج في غزة، فإننا سنكون أمام واقع مرير يتمثل في غياب الحرب الشاملة وغياب السلام الفعلي في آن واحد، مما يبقي المدنيين تحت رحمة الضربات المتقطعة والتوتر الدائم، وهذا السيناريو هو الأخطر إنسانيا، لأنه يطيل أمد المعاناة ويقلل من وهج الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية مقارنة بالحروب الكبرى التي تحظى بتغطية واسعة وضغوط عالمية مكثفة.
وفيما يخص الملف الإنساني وإمدادات الإغاثة لقطاع غزة، تؤكد حداد أن عودة الحياة للمسارات الإنسانية مرتبطة كلياً بالاستقرار الإقليمي العام؛ فأي اضطراب في الخليج أو لبنان سينعكس فوراً على حركة الملاحة وتكاليف التأمين والنقل، مما يعطل وصول المساعدات.
وتشدد حداد على أن أزمة غزة ليست تقنية تتعلق بالمعابر، بل هي أزمة سياسية بامتياز، حيث تُستخدم المعابر وآليات التفتيش كأوراق ضغط ومساومة مرتبطة بالتطورات الأمنية ،السيناريو الأقرب للتحقق هو تحسن جزئي ومؤقت في تدفق المساعدات، مع بقائه مرهوناً بالمتغيرات الإقليمية، مما يجعل غزة دائماً في مهب الريح، فهي أول من يتضرر من انهيار التهدئة وآخر من يتذوق ثمار الاستقرار إن تحقق.






