صعّدت نائبة رئيس الحكومة الإسبانية، يولاندا دياز، من لهجتها السياسية والقانونية تجاه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في تطور لافت يعكس حجم الشرخ العميق في العلاقات الثنائية بين مدريد وتل أبيب.
ووصفت دياز نتنياهو صراحة بأنه "مجرم حرب" و"مرتكب إبادة جماعية"، مؤكدة في تصريحات حادة أن "كل أشكال العداء مبررة" تجاه من يقود عمليات عسكرية تستهدف المدنيين وتنتهك القوانين الدولية.
ويأتي هذا التصريح في سياق رد فعل إسباني رسمي وشعبي متصاعد ضد الممارسات الإسرائيلية في قطاع غزة، وهو ما دفع الجانب الإسرائيلي للرد بخطوات دبلوماسية انتقامية استهدفت دور إسبانيا في المنظومة الدولية المعنية بالإشراف على التهدئة.
وتعكس هذه المواجهة انتقال الخلاف من مجرد تلاسن إعلامي إلى صدام دبلوماسي مباشر يؤثر على فعالية التنسيق الدولي في إدارة الأزمات، مما يضع إسبانيا في مقدمة الدول الأوروبية التي تتبنى نهجاً راديكالياً في انتقاد إسرائيل والمطالبة بمحاسبة قياداتها أمام العدالة الدولية في عام 2026.
دياز تستخدم "Bluesky" للرد على هجوم نتنياهو وتؤيد "العداء المبرر"
جاءت تصريحات يولاندا دياز القوية عبر منشور على منصة "Bluesky"، تعليقاً على مقطع مصور نشره بنيامين نتنياهو هاجم فيه الموقف الإسباني بشدة، واتهم مدريد بالانحياز ضد أمن إسرائيل. ولم تكتفِ دياز برفض اتهامات نتنياهو، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك بتأصيل حالة العداء السياسي تجاه حكومته، معتبرة أن مرتكبي جرائم الإبادة لا يمكن التعامل معهم وفق الأطر الدبلوماسية التقليدية.
ويرى مراقبون أن استخدام دياز لمصطلح "العداء المبرر" يمثل ضوءاً أخضر للتحركات الحقوقية والقانونية داخل إسبانيا وأوروبا لملاحقة المسؤولين الإسرائيليين.
هذا التصعيد يعكس أيضاً الضغوط الداخلية التي تمارسها القوى اليسارية في الائتلاف الحاكم الإسباني لزيادة الضغط على إسرائيل، وهو ما جعل من مدريد "الصوت الأكثر إزعاجاً" لنتنياهو داخل الاتحاد الأوروبي، مما أدى إلى تسريع وتيرة الإجراءات العقابية المتبادلة بين الطرفين.
قرار إسرائيلي باستبعاد إسبانيا من مركز التنسيق "CMCC" في كريات غات
في خطوة تنفيذية تعكس غضب تل أبيب، أعلن نتنياهو رسمياً استبعاد ممثلي إسبانيا من مركز التنسيق المدني-العسكري (CMCC)، وهي الهيئة الدولية رفيعة المستوى التي تتخذ من مدينة "كريات غات" مقراً لها.
ويُعنى هذا المركز بالإشراف المباشر على بنود وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وضمان التنسيق بين القوى الدولية الفاعلة لضمان استمرار التهدئة التي أُقرت في أكتوبر 2025 بدعم وضمانات أمريكية.
واتهم نتنياهو حكومة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز بالعمل الممنهج على "تشويه سمعة" الجيش الإسرائيلي في المحافل الدولية، معتبراً أن وجود ممثلين لإسبانيا في هيئة رقابية عسكرية يضر بـ"نزاهة" العمليات الأمنية الإسرائيلية.
ويعد هذا الاستبعاد ضربة للدور الأوروبي التنسيقي، حيث تسعى إسرائيل من خلاله إلى تهميش الأصوات المعارضة لسياساتها داخل غرف العمليات والقرار الدولية المختصة بملف غزة.
لا يمكن فصل التصعيد الحالي عن الترتيبات التي أعقبت اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، حيث كانت إسبانيا من أكثر الدول إلحاحاً على وضع آليات رقابة صارمة تمنع الانتهاكات الإسرائيلية وتضمن وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق.
إن آلية (CMCC) التي استُبعدت منها إسبانيا اليوم، كانت تمثل الأداة الفنية لضمان عدم عودة القتال، وبما أن إسبانيا كانت تطالب بتقارير شفافة حول الخسائر البشرية في صفوف المدنيين، فقد رأت تل أبيب في الدور الإسباني تهديداً لخططها الميدانية.
هذا التوتر المتراكم حول تفسير بنود الهدنة والرقابة الدولية أدى في النهاية إلى هذا الانفجار الدبلوماسي، حيث باتت إسرائيل ترى في الموقف الإسباني تهديداً "وجودياً" لشرعيتها الدولية، بينما ترى إسبانيا في الدفاع عن غزة التزاماً أخلاقياً وقانونياً لا يمكن المقايضة عليه مقابل التنسيق العسكري.










