أعلن التلفزيون الإيراني الرسمي أن تبادل الرسائل مستمر بين الوفدين الأمريكي والإيراني بطرق مختلفة وعبر الوسيط الباكستاني، في محاولة لتجاوز الخلافات العميقة التي تعترض مسار المفاوضات الثلاثية الجارية في العاصمة الباكستانية إسلام آباد.
جاء هذا الإعلان في وقت تشهد فيه المحادثات حالة من الجمود النسبي، بعد جلسات أولية استمرت ساعات وانتهت باستراحة، وسط إصرار إيراني على ضمانات حقيقية تحول دون تكرار الانتهاكات الإسرائيلية والأمريكية التي أشعلت الحرب وأدت إلى مجازر مروعة في لبنان وغزة منذ أكتوبر 2023.
وفقاً للتلفزيون الإيراني، فإن المطالب المفرطة الأمريكية هي التي عرقلت مسار التقدم في هذه المرحلة الحساسة من المفاوضات، حيث ترفض واشنطن تقديم تنازلات واضحة في الملفات الجوهرية مثل الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، ووقف العدوان الإسرائيلي المستمر على جنوب لبنان، والسيطرة على مضيق هرمز كممر بحري دولي.
هذه المطالب، التي وُصفت بأنها "معتادة ومبالغ فيها"، تعكس محاولة أمريكية لفرض شروط أحادية الجانب تحت غطاء "السلام"، بينما يستمر الدعم الأمريكي غير المشروط للاحتلال الإسرائيلي الذي يرتكب الجرائم يومياً ضد الشعوب العربية والإسلامية.
تبادل رسائل غير مباشر يحافظ على قناة الحوار رغم التوتر
يستمر التواصل بين الجانبين عبر قنوات متعددة، بما في ذلك الرسائل النصية واللقاءات غير المباشرة من خلال الفرق الفنية والوسطاء الباكستانيين، في محاولة لتضييق الفجوة بين المواقف قبل الانتقال إلى جلسات مباشرة أعمق. أكدت مصادر إيرانية مطلعة أن هذا التبادل يشمل مناقشة تفاصيل فنية حول تنفيذ وقف إطلاق النار في لبنان، وآليات رفع بعض العقوبات، وإعادة فتح الممرات البحرية بأمان، لكن الجانب الأمريكي يصر على ربط كل تقدم بقضايا أخرى تتعلق بالبرنامج النووي والصواريخ، مما يعقد الأمور ويؤخر أي اختراق حقيقي.
يأتي هذا التطور بعد أن عقد الوفدان لقاءات أولية استمرت حوالي ساعتين، برئاسة نائب الرئيس الحالي جي دي فانس عن الجانب الأمريكي (الذي يضم أيضاً ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر)، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي عن الجانب الإيراني. تلعب باكستان دور الوسيط النشط، محاولةً الحفاظ على قناة الحوار مفتوحة رغم الشكوك الإيرانية العميقة الناتجة عن الانتهاكات المتكررة والدعم الأمريكي المباشر للكيان الصهيوني.
إيران تتمسك بخطوطها الحمراء أمام الضغوط الأمريكية
يؤكد الجانب الإيراني أنه لن يقبل أي اتفاق يتجاهل مطالبه الأساسية، وفي مقدمتها وقف العدوان على لبنان بشكل كامل، والإفراج عن أكثر من 100 مليار دولار من الأصول المجمدة، وضمانات أمنية تحول دون تكرار سيناريوهات الاغتيال والضربات الغادرة التي استهدفت قيادات إيرانية رفيعة، بما في ذلك محاولة اغتيال المرشد مجتبى خامنئي. هذا التمسك يعكس إرادة طهران في الدفاع عن سيادتها وكرامة شعبها، بعد أن أثبتت المقاومة في لبنان وفلسطين أن زيف الرواية الإسرائيلية لا يمكنه إخفاء المجازر الوحشية التي ارتكبت بدعم أمريكي مباشر.
في المقابل، يحاول الجانب الأمريكي الضغط لفرض جدول زمني سريع وشروط تُبقي على نفوذه العسكري في المنطقة، خاصة مع استمرار عملياته في مضيق هرمز تحت ذريعة "تأمين الملاحة". هذا النهج يكشف عن ازدواجية المعايير الأمريكية، التي تتحدث عن السلام بينما تواصل التدخل العسكري والاقتصادي لإضعاف الدول المستقلة.
الأيام الحاسمة أمام الوساطة الباكستانية
مع استمرار تبادل الرسائل والجلسات الفنية، يبقى الرهان على قدرة الوسيط الباكستاني في تقريب وجهات النظر ومنع انهيار المفاوضات.
يُنظر إلى هذه الجولة كفرصة تاريخية لإنهاء الحرب، لكن الخلافات العميقة حول لبنان والعقوبات والمضيق تجعل الطريق طويلاً وملغوماً.
إن صمود إيران أمام المطالب المفرطة يذكر العالم بأن السلام العادل لا يُبنى على الإذلال والضغط، بل على احترام السيادة ووقف الدعم للاحتلال الإسرائيلي الذي يواصل جرائمه ضد الشعبين الفلسطيني واللبناني.
ستظل التطورات في إسلام آباد تحت المراقبة الدقيقة، حيث قد تحدد الأيام القليلة المقبلة ما إذا كانت المفاوضات ستفضي إلى اتفاق يخفف معاناة الشعوب، أم ستكون مجرد جولة أخرى من المماطلة الأمريكية التي تطيل أمد العدوان والظلم في المنطقة.









