أخطرت قوات الاحتلال الإسرائيلي، مساء اليوم الأحد، بالاستيلاء على مساحات واسعة من أراضي قرية "الفندقومية" الواقعة جنوب مدينة جنين بشمال الضفة الغربية، بذريعة استخدامها لأغراض عسكرية، وتأتي هذه الخطوة في سياق تصعيدي خطير يشهده عام 2026.
حيث تسعى سلطات الاحتلال إلى إحكام قبضتها الأمنية والعسكرية على المرتفعات والمناطق الاستراتيجية في المحافظات الشمالية.
وأفادت مصادر محلية بأن الإخطار العسكري الجديد يشمل مساحة تقدر بنحو 8 آلاف و950 مترًا مربعًا من أراضي المواطنين، وهو ما يمثل حلقة جديدة في سلسلة سياسات التوسع الاستيطاني والعسكري الممنهجة التي تهدف إلى خنق القرى والبلدات الفلسطينية وعزلها عن محيطها الجغرافي.
ويتزامن هذا القرار مع فرض قيود مشددة على المزارعين الفلسطينيين ومنعهم من الوصول إلى حقولهم، مما يعزز من واقع الحصار الاقتصادي والمكاني الذي تفرضه قوة الاحتلال لفرض واقع ديموغرافي وجغرافي جديد يصعب التراجع عنه مستقبلاً.
التحول القانوني والمدني وسلاح "أملاك الدولة"
يشكل هذا الإخطار جزءاً من استراتيجية أوسع أقرتها حكومة الاحتلال الإسرائيلي في شباط/فبراير الماضي، حيث صادقت على قرارات تسمح بالاستيلاء على أراضٍ فلسطينية واسعة في المناطق المصنفة "ج" عبر تسجيلها رسمياً على أنها "أملاك دولة"، في إجراء هو الأول من نوعه بهذا الحجم والوتيرة منذ عام 1967.
ويهدف هذا التحول القانوني إلى إحداث تغيير جذري في الوضع المدني للضفة الغربية، مما يعني عملياً نقل صلاحيات إدارة الأرض من الصبغة العسكرية المؤقتة إلى السيطرة المدنية الدائمة التي تمهد لعمليات الضم الفعلي.
ويحذر مراقبون سياسيون من أن هذا التوجه يعني بالضرورة نهاية إمكانية إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة المتواصلة جغرافياً، وهو ما ينسف مبدأ حل الدولتين المنصوص عليه في القرارات الأممية، ويحول التجمعات الفلسطينية إلى جزر معزولة داخل محيط من المستوطنات والقواعد العسكرية التي تلتهم الموارد الطبيعية والمساحات المخصصة للتوسع العمراني الفلسطيني.
لغة الأرقام الصادمة في بيانات الإحصاء الفلسطيني 2025-2026
تعكس البيانات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني حجم الكارثة التي تعرضت لها الأرض الفلسطينية خلال العام الماضي ومطلع العام الجاري.
حيث تشير الإحصائيات إلى أن الاحتلال استولى خلال عام 2025 وحده على أكثر من 5571 دونماً من الأراضي الخاصة والعامة، وأصدر نحو 94 أمراً عسكرياً لوضع اليد على 2609 دونمات إضافية، علاوة على إصدار أوامر استملاك وإعلانات "أراضي دولة" طالت آلاف الدونمات الأخرى، ولم يتوقف التغول عند مصادرة الأرض، بل امتد ليشمل تدمير المنشآت القائمة.
حيث هدمت قوات الاحتلال خلال العام ذاته نحو 1400 مبنى ومنشأة فلسطينية بشكل كلي أو جزئي، كان لمدينة القدس نصيب كبير منها بواقع 258 منشأة، كما استمرت سياسة "الهدم الذاتي" القسرية في القدس المحتلة كأداة للضغط النفسي والمادي على السكان، بالإضافة إلى إصدار قرابة ألف أمر هدم جديد بحجة عدم الترخيص، وهي الذريعة التي يستخدمها الاحتلال لمنع الفلسطينيين من البناء في أرضهم بينما تتوسع المستوطنات المجاورة بلا قيود.
الموقف الدولي وتمسك الفلسطينيين بالأرض في وجه التهجير
على الرغم من التأكيدات المتكررة للأمم المتحدة والمنظمات الدولية بأن الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانوني ويشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، إلا أن سلطات الاحتلال تواصل ضرب هذه التحذيرات عرض الحائط، مستغلة الظروف السياسية الإقليمية والدولية لتسريع وتيرة التهجير القسري وتغيير البنية الديمغرافية في الضفة الغربية.
إن ما يحدث في قرية الفندقومية اليوم هو نموذج مصغر لما تهدف إليه قوات الاحتلال من تحويل حياة الفلسطينيين إلى سلسلة من المضايقات القانونية والأمنية لدفعهم نحو الهجرة الطوعية أو القسرية.
وفي المقابل، يؤكد أهالي الفندقومية ومحافظة جنين تمسكهم الراسخ بأراضيهم ورفضهم المطلق لكافة صكوك المصادرة والتهجير، معتبرين أن البقاء في الأرض هو خط الدفاع الأول عن المشروع الوطني الفلسطيني، ومطالبين المجتمع الدولي بضرورة الانتقال من لغة الإدانة إلى لغة المحاسبة الفعلية لوقف هذا التغول الذي بات يهدد الاستقرار والأمن في المنطقة برمتها.










