يتصاعد المشهد العسكري على الحدود اللبنانية الفلسطينية بشكل غير مسبوق، حيث يجد جيش الاحتلال الإسرائيلي نفسه غارقاً في استنزاف ميداني مستمر منذ بدء توغله البري الأخير.
وأقر جيش الاحتلال رسمياً اليوم الاثنين بسقوط عدد من الإصابات الجديدة في صفوف جنوده جراء عمليات المقاومة النوعية، مشيراً إلى أن ثمانية جنود أصيبوا بجروح متفاوتة إثر هجوم نفذته طائرة مسيرة انقضاضية استهدفت تجمعاً عسكرياً في المنطقة الجنوبية.
هذا الاعتراف يأتي في وقت يحاول فيه الاحتلال التغطية على إخفاقاته الميدانية عبر تكثيف الغارات الجوية العنيفة التي تستهدف المناطق السكنية في الضاحية الجنوبية لبيروت وبلدات الجنوب والبقاع، في انتهاك صارخ لكل المواثيق الدولية وقواعد الاشتباك التي تلت اتفاق وقف إطلاق النار الهش الذي تم التوصل إليه في نوفمبر الماضي.
كمائن المسيرات وتفكك منظومة الدفاع
تثبت التطورات الميدانية الأخيرة أن جيش الاحتلال يعاني من ثغرات استخباراتية وعسكرية واضحة في مواجهة سلاح المسيرات الذي تعتمده المقاومة بكثافة فالهجوم الأخير الذي أدى لإصابة الثمانية جنود يبرهن على قدرة المقاومة على تجاوز الرادارات ومنظومات "القبة الحديدية" والوصول إلى أهداف عسكرية محققة في قلب تجمعات العدو المتوغلة.
ويرى مراقبون عسكريون أن لجوء المقاومة لهذا النوع من السلاح يهدف إلى رفع كلفة البقاء الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية، حيث تحول الجنوب إلى "ساحة اصطياد" لآليات وجنود الاحتلال الذين يتحركون تحت وطأة النيران المستمرة، مما دفع قيادة جيش الاحتلال إلى إعادة تقييم خططها البرية التي لم تحقق أهدافها المعلنة حتى اللحظة بالرغم من سياسة الأرض المحروقة التي يتبعها.
عدوان هستيري يطال الضاحية والجنوب
في المقابل، يواصل الطيران الحربي التابع للاحتلال ممارسة هوايته في استهداف المدنيين والبنى التحتية، حيث شنت الطائرات سلسلة غارات عنيفة استهدفت المربعات السكنية في الضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت، مما أدى إلى دمار هائل في الممتلكات وسقوط ضحايا من المدنيين.
هذا التصعيد الجوي يعكس حالة من الإحباط لدى المستوى العسكري الإسرائيلي الذي يفشل في حسم المعركة البرية، فيلجأ إلى الضغط على الحاضنة الشعبية للمقاومة عبر تدمير المرافق الحيوية واستهداف القرى والبلدات في جنوب وشرق لبنان.
إن هذه الهجمات الممنهجة لا تفرق بين هدف عسكري ومدني، بل تسعى لخلق واقع من الرعب والتهجير القسري، وهو ما يصفه حقوقيون بأنه جرائم حرب موصوفة تتطلب تحركاً دولياً عاجلاً لوقف آلة القتل الإسرائيلية التي لم تتوقف عن خرق السيادة اللبنانية.
جذور التصعيد ومعادلة الردع الجديدة
تعود جذور هذه الموجة الانفجارية من التصعيد إلى الثاني من آذار/مارس الماضي، حين قررت المقاومة الرد بقوة على الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة لاتفاق وقف إطلاق النار الذي وُقع في تشرين الثاني/نوفمبر 2024.
وزاد من اشتعال الجبهة اغتيال الاحتلال للمرشد الإيراني علي خامنئي، وهو ما اعتبرته قوى المقاومة تجاوزاً لكافة الخطوط الحمراء واستدعى رداً شاملاً ومنسقاً.
منذ ذلك الحين، انتقلت المعركة من مرحلة المناوشات الحدودية إلى حرب واسعة شملت توغلاً إسرائيلياً برياً بعد منتصف آذار/مارس، قابله رد صاعق من "حزب الله" الذي بدأ باستخدام صليات صاروخية ثقيلة وطائرات مسيرة تستهدف المستوطنات والمدن المحتلة والبنى التحتية العسكرية، مما أدى إلى شلل كامل في شمال فلسطين المحتلة وهجرة مئات الآلاف من المستوطنين لمنازلهم.
تخبط الاحتلال في وحل الجنوب اللبناني
إن التوغل البري الإسرائيلي الذي بدأ في منتصف آذار الماضي لم يكن "نزهة" كما روجت لها قيادة الاحتلال، بل تحول إلى مواجهة مباشرة من "مسافة صفر".
وتشير التقارير الواردة من الميدان إلى أن المقاومة اللبنانية تتبع استراتيجية "الدفاع المرن"، حيث تسمح للقوات المتقدمة بالوقوع في شراك الكمائن المعدة مسبقاً قبل استهدافها بالقذائف الموجهة والعبوات الناسفة.
هذا التخبط العسكري يظهر بوضوح في البيانات المتناقضة للاحتلال، الذي يحاول تضليل جمهوره حول حجم الخسائر البشرية والمادية، بينما تؤكد المشاهد المسربة واعترافات المستشفيات الإسرائيلية استقبال عشرات الجرحى يومياً من جبهة الشمال، مما يضع حكومة الاحتلال تحت ضغط شعبي وسياسي داخلي يطالب بوقف النزيف العسكري الذي لا يبدو له نهاية قريبة في ظل صمود المقاومة الميداني.
مستقبل المواجهة وآفاق الحل المسدود
مع استمرار الغارات الجوية المكثفة وردود المقاومة الصاروخية التي تطال العمق، يبدو أن أفق الحل الدبلوماسي بات مسدوداً في الوقت الحالي. فالاحتلال يصر على فرض شروط أمنية تمس بالسيادة اللبنانية، وهو ما ترفضه الدولة اللبنانية والمقاومة جملة وتفصيلاً.
إن استمرار استهداف المستوطنات الإسرائيلية والمنشآت العسكرية بالصواريخ الدقيقة يضع "تل أبيب" أمام خيارين أحلاهما مر: إما الغرق أكثر في "وحل لبنان" مع ما يترتب عليه من خسائر اقتصادية وعسكرية فادحة، أو التراجع والاعتراف بالفشل في تغيير الواقع الميداني.
وفي كلتا الحالتين، يبقى صمود الشعب اللبناني وبسالة المقاومة في الميدان هما العاملان الحاسمين في رسم ملامح المرحلة المقبلة وتثبيت معادلات الردع التي تحمي لبنان من الغطرسة الإسرائيلية المستمرة.







