20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

نصف عام من الهدنة المنتهكة: أرقام تكشف كيف تحوّل وقف إطلاق النار في غزة إلى غطاء للتصعيد

بعد مرور ستة أشهر كاملة على دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025، يتضح من المعطيات الرسمية أن الواقع الميداني في قطاع غزة يسير في اتجاه معاكس تماماً لفكرة التهدئة.

بقلم: سماح عثمان
١٤ أبريل ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
12 مشاهدة
قطاع غزة

قطاع غزة

بعد مرور ستة أشهر كاملة على دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025، يتضح من المعطيات الرسمية أن الواقع الميداني في قطاع غزة يسير في اتجاه معاكس تماماً لفكرة التهدئة.

فبحسب بيان صادر عن المكتب الإعلامي الحكومي، سُجلت نحو 2,400 خرق ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي خلال الفترة الممتدة حتى 14 أبريل 2026، في نمط وُصف بأنه منهجي ومتعمد.

هذه الخروقات لا يمكن النظر إليها كحوادث متفرقة أو أخطاء ميدانية، بل تعكس—وفق توصيف البيان—سلوكاً متكرراً يقوّض جوهر الاتفاق نفسه، وينتهك بشكل صريح قواعد القانون الدولي الإنساني. إذ تحوّل وقف إطلاق النار، عملياً، إلى إطار هش يجري الالتفاف عليه عبر عمليات عسكرية متواصلة، ما يطرح تساؤلات جدية حول جدوى الاتفاقات في ظل غياب آليات إلزام حقيقية.

أنماط التصعيد

توزعت الخروقات المسجلة على عدة أنماط ميدانية، تعكس طبيعة العمليات التي استمرت رغم سريان الاتفاق. فقد شملت 921 حادثة إطلاق نار مباشر، و97 عملية توغل لآليات عسكرية داخل الأحياء السكنية، إضافة إلى 1109 عمليات قصف واستهداف، و273 عملية نسف طالت منازل ومبانٍ مختلفة.

هذا التنوع في أشكال الانتهاكات يكشف أن التصعيد لم يكن مقتصراً على شكل واحد من العمليات، بل شمل البر والجو معاً، واستهدف بشكل متكرر المناطق المدنية. كما يعكس استمرار العمل بعقيدة عسكرية قائمة على الضغط المتواصل، حتى في فترات يفترض أنها مخصصة لخفض التصعيد.

حصيلة بشرية ثقيلة

أسفرت هذه الخروقات، وفق البيان، عن سقوط 754 شهيداً خلال فترة الهدنة، في مؤشر خطير على حجم العنف المستخدم. ومن بين هؤلاء، بلغ عدد الأطفال والنساء والمسنين 312 شهيداً، بينما تشير المعطيات إلى أن نحو 99% من الضحايا هم من المدنيين، ما يعزز الاتهامات باستهداف مباشر أو غير متناسب للأحياء السكنية.

ولا تقتصر الخسائر على القتلى، إذ سُجلت إصابة 2,100 شخص، أكثر من نصفهم من الفئات الأكثر هشاشة، مثل الأطفال والنساء وكبار السن. وتشير البيانات إلى أن جميع المصابين تقريباً تعرضوا للاستهداف داخل الأحياء السكنية وبعيداً عن ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، وهو ما يعكس اتساع نطاق الخطر ليشمل المساحات التي يفترض أنها آمنة نسبياً.

الاعتقال داخل الأحياء

ضمن سياق الانتهاكات المستمرة، وثّق البيان اعتقال 50 شخصاً خلال فترة الهدنة، جرى توقيفهم جميعاً من داخل المناطق السكنية، وليس من مناطق الاشتباك المباشر. ويشير ذلك إلى نمط من العمليات الأمنية التي تمتد إلى عمق التجمعات المدنية، بما يعزز حالة الخوف وعدم الاستقرار داخل القطاع.

هذا النوع من الاعتقالات، وفق القراءة الواردة في البيان، لا يمكن فصله عن سياسة أوسع تهدف إلى فرض السيطرة والضغط على المجتمع المدني، حتى في ظل وجود اتفاق يفترض أن يحد من هذه الممارسات.

معبر رفح المقيد

فيما يتعلق بالحركة عبر معبر رفح البري، تكشف الأرقام عن فجوة كبيرة بين ما تم الاتفاق عليه وما جرى تنفيذه فعلياً. فمنذ إعادة تشغيل المعبر في 2 فبراير 2026 وحتى 14 أبريل 2026، بلغ إجمالي عدد المسافرين 2,703 فقط، في حين كان من المفترض أن يصل العدد إلى 36,800 مسافر خلال الفترة نفسها.

هذا يعني أن نسبة الالتزام لم تتجاوز 7%، وهو ما يعكس استمرار القيود المشددة على حركة الأفراد، رغم النصوص الواضحة في الاتفاق. ويشير ذلك إلى أن فتح المعبر تم بشكل جزئي وشكلي، دون تحقيق الهدف الإنساني المرجو منه.

المساعدات تحت القيود

أما على صعيد إدخال المساعدات، فقد دخل إلى قطاع غزة 41,714 شاحنة فقط من أصل 110,400 شاحنة كان يفترض دخولها وفق الاتفاق، بنسبة التزام بلغت 37%. وشملت هذه الشاحنات مساعدات إنسانية وبضائع تجارية وكميات محدودة من الوقود.

ويبرز النقص الحاد بشكل خاص في الوقود، حيث لم يدخل سوى 1,366 شاحنة من أصل 9,200 شاحنة متفق عليها، أي بنسبة 14% فقط. وبمعدل يومي بلغ 227 شاحنة، يبقى الرقم بعيداً عن الحد الأدنى المطلوب، وهو 600 شاحنة يومياً، بينها 50 شاحنة وقود.

هذه الأرقام تعكس، وفق البيان، استمرار استخدام المساعدات كأداة ضغط، في سياق أوسع من سياسة تقييد الموارد الأساسية، بما يفاقم الأزمة الإنسانية داخل القطاع.

التزامات لم تُنفذ

إلى جانب الأرقام، يشير البيان إلى سلسلة من الالتزامات التي لم يتم تنفيذها، رغم النص عليها في البروتوكول الإنساني. وتشمل هذه الالتزامات إدخال المعدات الثقيلة لإزالة الأنقاض، وتوفير المستلزمات الطبية، والسماح بإدخال مواد الإيواء مثل الخيام والبيوت المتنقلة، إضافة إلى إعادة تشغيل محطة توليد الكهرباء.

كما لم يلتزم الاحتلال بخطوط الانسحاب المتفق عليها، واستمر في التقدم داخل بعض المناطق، متجاوزاً ما يُعرف بالخط الأصفر. ويعكس ذلك، وفق توصيف البيان، سياسة ميدانية تهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، حتى في ظل اتفاق يفترض أنه يجمّد هذه التحركات.

دور أمريكي مطلوب

في ختام البيان، وُجهت دعوة مباشرة إلى دونالد ترامب بصفته الرئيس الأمريكي الحالي، إلى جانب الأطراف الراعية والوسطاء، لتحمل مسؤولياتهم في ضمان تنفيذ الاتفاق. كما شملت الدعوة المجتمع الدولي والأمم المتحدة، للمطالبة باتخاذ خطوات عملية تلزم الاحتلال بتنفيذ تعهداته.

ويضع هذا النداء الدور الأمريكي في قلب المشهد، باعتباره طرفاً رئيسياً في إدارة التوازنات السياسية والعسكرية المرتبطة بالحرب، ما يعزز الاتهامات بوجود دعم مباشر أو غير مباشر لاستمرار هذا الواقع.

واقع إنساني متدهور

تعكس هذه المعطيات صورة قاتمة لواقع يفترض أنه خاضع لوقف إطلاق النار، لكنها في الحقيقة تكشف استمرار المجازر والانتهاكات التي بدأت منذ أكتوبر 2023. وبينما يُفترض أن تشكل الهدنة فرصة لالتقاط الأنفاس، تظهر الأرقام أنها تحولت إلى مرحلة جديدة من الضغط والإخضاع، في ظل غياب أي التزام فعلي بوقف شامل ومستدام لإطلاق النار.

وفي هذا السياق، يصبح الحديث عن "هدنة" أقرب إلى توصيف شكلي، لا يعكس حقيقة ما يجري على الأرض، حيث تستمر العمليات العسكرية، وتتفاقم الكارثة الإنسانية، وسط عجز دولي واضح عن فرض الحد الأدنى من الحماية للمدنيين.

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال