شهد البرلمان البريطاني تحركاً سياسياً وقانونياً واسعاً، حيث وقع 75 نائباً مذكرة عاجلة تطالب الحكومة البريطانية بضرورة اتخاذ إجراءات عقابية مشددة وفورية ضد "إسرائيل"، وذلك على خلفية تصاعد انتهاكاتها الصارخة للقانون الدولي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وجاءت هذه المذكرة، التي حملت الرقم (EDM 2822) وقدمها النائب ريتشارد بورغون، لتعبر عن غضب برلماني متزايد تجاه السياسات الإسرائيلية الرامية إلى قضم الأراضي وتوسيع المشروع الاستيطاني.
وأكد النواب الموقعون أن استمرار الدعم البريطاني للاحتلال في ظل هذه الجرائم الموثقة دولياً يضع الحكومة في موضع المحاسبة الأخلاقية والقانونية أمام التزاماتها الدولية، مشددين على أن الوقت قد حان للانتقال من مربع الإدانات اللفظية إلى مربع الأفعال المؤثرة والضغوط الاقتصادية الملموسة.
إدانة "شرعنة" السرقة والمصادرة في الضفة
ركزت المذكرة البرلمانية بشكل أساسي على القرار الإسرائيلي الصادر في شباط/فبراير الماضي، والذي يقضي بتقنين الاستيلاء على مساحات واسعة من أراضي الضفة الغربية المحتلة وتحويلها إلى ما يسمى "أملاك دولة"، واعتبر النواب البريطانيون أن هذا الإجراء يمثل خرقاً فاضحاً للقواعد الدولية، وخطوة استراتيجية تهدف إلى تسريع وتيرة المصادرة والاستيطان ومنع إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً، وشددت المذكرة على أن الصمت على هذه الخطوات الإسرائيلية الأحادية يمنح الاحتلال الضوء الأخضر للمضي قدماً في سياسة الضم الزاحف، مما يتطلب رداً حاسماً من المملكة المتحدة يتناسب مع حجم الانتهاك الممارس ضد حقوق الشعب الفلسطيني وممتلكاته.
الاستناد إلى الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية
استند النواب الـ75 في موقفهم القانوني إلى الرأي الاستشاري التاريخي الصادر عن محكمة العدل الدولية في تموز/يوليو 2024، والذي أكد بوضوح لا لبس فيه أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية هو عمل غير شرعي ويجب إنهاؤه في أسرع وقت ممكن.
وأشارت المذكرة إلى أن هذا الرأي القانوني من أعلى سلطة قضائية في العالم يضع الحكومة البريطانية أمام مسؤولية الالتزام بتعهداتها الدولية، وذلك عبر وقف كافة أشكال الدعم المادي أو السياسي التي قد تسهم في إطالة أمد الاحتلال أو توفير الغطاء له، واعتبر الموقعون أن بقاء العلاقات التجارية والعسكرية مع الاحتلال بشكلها الحالي يعد تناقضاً صارخاً مع روح القانون الدولي وتوصيات المحكمة الدولية.
مطالب بفرض عقوبات اقتصادية وتجارية شاملة
تضمنت المذكرة جملة من المطالب التصعيدية غير المسبوقة، حيث دعت الحكومة البريطانية إلى منع كافة الأنشطة التجارية المرتبطة بالمستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة.
كما طالبت بفرض حظر شامل على التجارة والاستثمار في السلع والخدمات التي يتم إنتاجها داخل هذه المستوطنات غير القانونية، وذهبت المذكرة إلى أبعد من ذلك بمطالبتها بتعليق اتفاقية التجارة مع "إسرائيل" فوراً، معتبرة أن الاتفاقيات التجارية يجب أن تكون مشروطة باحترام حقوق الإنسان والقانون الدولي، وهو ما تنتهكه إسرائيل بشكل يومي ومنهجي في الضفة الغربية وقطاع غزة، مما يجعل استمرار الامتيازات التجارية الإسرائيلية في الأسواق البريطانية أمراً غير مقبول.
حظر الأسلحة والعقوبات الفردية ضد المتورطين
وعلى الصعيد الأمني والعسكري، طالبت المذكرة بفرض حظر شامل وفوري على تصدير الأسلحة والتقنيات العسكرية إلى "إسرائيل"، مؤكدة أن السلاح البريطاني يجب ألا يستخدم في عمليات القمع والتهجير القسري وارتكاب الانتهاكات ضد المدنيين الفلسطينيين.
وفي خطوة نوعية، دعت المذكرة إلى فرض عقوبات فردية تشمل منع السفر وتجميد الأصول والأموال بحق المسؤولين والمتورطين بشكل مباشر في انتهاكات القانون الدولي ودعم التوسع الاستيطاني، إن هذه المطالب تعكس تحولاً جذرياً في توجهات شريحة واسعة من البرلمانيين البريطانيين الذين يرون في العقوبات الفردية والعسكرية الوسيلة الوحيدة للجم عدوان الاحتلال وإجباره على الانصياع للقرارات الدولية.
الضغط الشعبي وتحولات الموقف البريطاني
يعكس هذا الحراك البرلماني تزايد الضغوط الشعبية داخل المجتمع البريطاني الذي بات يطالب بوقفة جادة تجاه جرائم الاحتلال، ويرى مراقبون أن توقيع 75 نائباً على المذكرة يمثل قوة ضغط هائلة داخل مجلس العموم، مما قد يحرج الحكومة ويدفعها لإعادة تقييم علاقاتها مع إسرائيل.
وخلصت المذكرة إلى أن المملكة المتحدة، كدولة موقعة على اتفاقيات جنيف، ملزمة بضمان عدم تقديم العون لكيان يمارس الاحتلال والفصل العنصري، وأن مستقبل الاستقرار في الشرق الأوسط يبدأ من الاعتراف بحقوق الفلسطينيين ووقف آلة الاستيطان التي تلتهم الأرض وتقتل فرص السلام العادل والشامل في المنطقة.







