19 يوليو 2026|القاهرة 28 °

جينات المقاومة تظهر لدى حديثي الولادة منذ الساعات الأولى

كشفت دراسة حديثة عن وجود جينات مقاومة للمضادات الحيوية لدى حديثي الولادة خلال الساعات الأولى من حياتهم، وليس بعد التعرض الطويل للعلاج كما كان يُعتقد سابقاً. ويُعد هذا الاكتشاف تحولاً مهماً في فهم بداية العلاقة بين الإنسان والبكتيريا.

بقلم: أخبار ومتابعات
١٩ أبريل ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
18 مشاهدة
جينات المقاومة تظهر لدى حديثي الولادة منذ الساعات الأولى: رضيع يتلقى التطعيم ضد شلل الأطفال - AFP

جينات المقاومة تظهر لدى حديثي الولادة منذ الساعات الأولى: رضيع يتلقى التطعيم ضد شلل الأطفال - AFP

كشفت دراسة حديثة عن وجود جينات مقاومة للمضادات الحيوية لدى حديثي الولادة خلال الساعات الأولى من حياتهم، وليس بعد التعرض الطويل للعلاج كما كان يُعتقد سابقاً. ويُعد هذا الاكتشاف تحولاً مهماً في فهم بداية العلاقة بين الإنسان والبكتيريا. كما يفتح الباب أمام إعادة تقييم المفاهيم الطبية المتعلقة بمقاومة المضادات الحيوية.

وتُعرف هذه الجينات بأنها مقاطع من الحمض النووي تمنح البكتيريا القدرة على مقاومة تأثير المضادات الحيوية. وتُعد هذه الظاهرة أحد أخطر التحديات الصحية عالمياً، إذ تهدد فعالية الأدوية التي يعتمد عليها الطب الحديث في علاج العدوى. كما تعكس تنامي خطر فقدان السيطرة على أمراض كانت قابلة للعلاج سابقاً.

واعتمدت الدراسة، التي عُرضت خلال مؤتمر الأمراض المعدية وعلوم الأحياء الدقيقة السريرية في ألمانيا، على تحليل عينات من “العقي”، وهو أول براز يخرجه المولود. وشملت الدراسة 105 أطفال حديثي الولادة خلال أول 72 ساعة من حياتهم داخل وحدات الرعاية المركزة. ويعكس ذلك دقة المنهجية العلمية التي استندت إليها النتائج.

بصمة ميكروبية

كان يُعتقد سابقاً أن مادة “العقي” معقمة تماماً وخالية من أي كائنات دقيقة. إلا أن الأبحاث الحديثة بدأت تكشف عن وجود بصمات ميكروبية داخلها، ما يشير إلى أن التعرض للبكتيريا قد يبدأ قبل الولادة. ويغير هذا الاكتشاف المفهوم التقليدي لنقطة بداية التفاعل مع الميكروبات.

ووجد الباحثون أن معظم العينات تحتوي على مجموعة متنوعة من جينات المقاومة، بمتوسط ثمانية جينات في كل عينة. ويعكس هذا التنوع اتساع نطاق الظاهرة حتى في المراحل المبكرة من الحياة. كما يشير إلى أن البيئة الميكروبية تبدأ بالتشكل سريعاً لدى المولود.

ومن بين أكثر الجينات شيوعاً، الجينات المعروفة باسم oqxA وqnrS، المرتبطتان بمقاومة بعض المضادات الحيوية الشائعة. كما رُصدت جينات تنتج إنزيمات “بيتا-لاكتاماز”، وهي مواد قادرة على تكسير فئات واسعة من المضادات الحيوية. ويؤكد ذلك أن مقاومة الأدوية ليست مجرد احتمال بل واقع مبكر.

خزان المقاومة

أظهرت الدراسة أن أكثر النتائج إثارة للقلق تمثلت في العثور على جينات مرتبطة بمقاومة مضادات “الكاربابينيم”. وتُعد هذه المضادات من أقوى الخطوط الدفاعية الأخيرة في علاج العدوى البكتيرية. ويعني وجود هذه الجينات في نحو 21% من العينات أن الخطر قد يبدأ منذ اللحظات الأولى للحياة.

ويشير هذا الاكتشاف إلى أن ما يُعرف بـ”خزان المقاومة” قد يبدأ بالتشكل داخل جسم الإنسان في مرحلة مبكرة جداً. ويعكس ذلك تطوراً خطيراً في طبيعة التحديات الصحية العالمية. كما يطرح تساؤلات حول مدى قدرة الأنظمة الصحية على مواجهة هذا التهديد.

وتكمن خطورة هذه النتائج في أنها تشير إلى أن مقاومة المضادات ليست نتيجة استخدام مفرط فقط. بل قد تكون جزءاً من التكوين البيولوجي المبكر للإنسان. ويعزز ذلك الحاجة إلى فهم أعمق لمصادر هذه الجينات وآليات انتقالها.

أسباب محتملة

يمكن تفسير هذه الظاهرة عبر عدة مسارات محتملة، أبرزها انتقال البكتيريا أو مادتها الوراثية من الأم إلى الجنين خلال الحمل. وقد يحدث ذلك عبر المشيمة أو السائل الأمنيوسي. ويشير هذا إلى أن البيئة داخل الرحم ليست معقمة كما كان يُعتقد.

كما يلعب نمط الولادة دوراً مهماً في نوعية البكتيريا التي يتعرض لها المولود. فالولادة الطبيعية أو القيصرية قد تؤثر على تكوين الميكروبيوم الأولي للطفل. ويعكس ذلك أهمية العوامل الطبية في تشكيل البيئة الميكروبية.

إضافة إلى ذلك، تمثل البيئة داخل المستشفى، خاصة في وحدات الرعاية المركزة، مصدراً مهماً للتعرض المبكر للبكتيريا المقاومة. ويؤكد ذلك أن المؤسسات الصحية قد تكون جزءاً من المشكلة والحل في آن واحد. كما يعزز أهمية تحسين معايير التعقيم والمراقبة.

جينات المقاومة وعوامل سريرية

ربطت الدراسة بين بعض العوامل السريرية وارتفاع عدد جينات المقاومة لدى حديثي الولادة. ومن بين هذه العوامل بقاء الأم في المستشفى خلال فترة الحمل. ويعكس ذلك احتمالية التعرض لبكتيريا مرتبطة بالبيئة الطبية.

كما أظهرت النتائج أن استخدام القسطرة الوريدية للمولود في أول 24 ساعة قد يزيد من احتمالية وجود هذه الجينات. ويشير ذلك إلى دور الإجراءات الطبية في نقل البكتيريا المقاومة. كما يبرز الحاجة إلى مراجعة بروتوكولات الرعاية.

في المقابل، لاحظ الباحثون أن بعض الحالات مثل الإنعاش المبكر بعد الولادة ارتبطت بانخفاض عدد الجينات. إلا أن هذا الارتباط لا يزال غير واضح ويحتاج إلى مزيد من الدراسة. ويؤكد ذلك أن فهم هذه الظاهرة لا يزال في مراحله الأولى.

أبعاد مستقبلية

تكمن الأهمية الحقيقية لهذه النتائج في أنها تعيد رسم بداية “القصة الميكروبية” للإنسان. فبدلاً من أن يبدأ التعرض للبكتيريا بعد الولادة، تشير الأدلة إلى أن هذه العملية تبدأ مبكراً جداً وربما داخل الرحم. ويغير ذلك نظرتنا لتطور الميكروبيوم البشري.

كما تفتح هذه النتائج تساؤلات عميقة حول دور هذه الجينات في زيادة خطر العدوى مستقبلاً. ويعكس ذلك الحاجة إلى دراسات طويلة الأمد لفهم التأثيرات الصحية المحتملة. كما يشير إلى ضرورة تطوير استراتيجيات وقائية جديدة.

وتبرز الدراسة أهمية تعزيز إجراءات مكافحة العدوى داخل المستشفيات، خاصة في أقسام حديثي الولادة. كما تدعو إلى تحسين مراقبة انتشار مقاومة المضادات الحيوية منذ اللحظات الأولى للحياة. ويؤكد ذلك أن معركة البشر مع البكتيريا المقاومة تبدأ أبكر مما كنا نتصور.

أخبار ومتابعات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال