أطلقت هيئة شؤون الأسرى والمحررين صرخة تحذيرية مدوية بشأن الأوضاع المأساوية التي يعيشها المعتقلون الفلسطينيون داخل سجن "عصيون"، واصفة إياها بأنها وصلت إلى مرحلة من التدهور الحاد وغير المسبوق منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة في أكتوبر 2023.
وجاء هذا التحذير عقب زيارة ميدانية أجرتها محامية الهيئة للسجن، حيث أصرت على كسر حاجز "مكالمات الفيديو" التي يفرضها الاحتلال، وإجراء المقابلات وجهاً لوجه لتوثيق الجرائم التي تُرتكب خلف الجدران الصماء، وهو ما كشف عن انهيار ملحوظ في الحالة النفسية والجسدية للأسرى الذين باتوا يواجهون الموت البطيء بصدور عارية.
غياب أدنى مقومات الحياة: شهر بلا استحمام وانتشار الأوبئة
نقلت محامية الهيئة شهادات تقشعر لها الأبدان عن الواقع المعيشي داخل الغرف المكتظة، حيث أكد الأسرى أن معظمهم لم يتمكن من الاستحمام لأكثر من شهر كامل، نتيجة انعدام المياه الساخنة تماماً في ظل الأجواء الباردة، وغياب المواد الأساسية للنظافة مثل الصابون والمناشف هذا الحرمان المتعمد لا يهدف فقط إلى تعذيب الجسد، بل يسعى لنشر الأمراض الجلدية والمعدية بين صفوف المعتقلين، مما يحول السجن إلى بيئة موبوءة تفتقر لأبسط المعايير الإنسانية التي نصت عليها اتفاقيات جنيف، ويجعل من صمود الأسرى معجزة يومية في ظل انعدام الرعاية الطبية اللازمة.
القمع الممنهج: الكلاب البوليسية والركوع القسري لساعات
لم تكتفِ إدارة سجن "عصيون" بالحرمان المادي، بل صعدت من عمليات القمع العشوائي والمخطط له، والذي يتم تنفيذه ثلاث مرات أسبوعياً كأجراء "تأديبي" لا مبرر له. وتتضمن هذه العمليات اقتحام الغرف في ساعات متأخرة برفقة الكلاب البوليسية الشرسة التي تثير الذعر، تتبعها موجات من الصراخ والشتم المهين للأسرى ومعتقداتهم وتجبر القوات المقتحمة الأسرى على الركوع لساعات طويلة في وضعيات مهينة، ومن يعجز منهم عن الصمود نتيجة الإرهاق أو المرض يتعرض للضرب المبرح بأعقاب البنادق، في مشهد يعكس الرغبة في تحطيم الروح المعنوية قبل الأجساد.
سياسة الخنق بـ "قنابل الغاز" وحرب التجويع
كشفت الهيئة عن ممارسة خطيرة تتمثل في إلقاء قنابل الغاز المسيل للدموع داخل "ساحة الفورة" أو الممرات الضيقة، مما يؤدي إلى حالات اختناق وإغماء جماعي بين الأسرى، خاصة أولئك الذين يعانون من مشاكل تنفسية نتيجة الرطوبة العالية.
ويترافق هذا القمع مع "حرب تجويع" شرسة، حيث تقدم إدارة السجن وجبات شحيحة جداً ورديئة النوعية، مما أدى إلى إصابة الأسرى بحالة من الهزال العام والإرهاق الشديد. ورغم ذلك، نقلت المحامية عن الأسرى قولهم إن ما يثقل كاهلهم ليس قلة الطعام، بل هي "سياسة الإذلال وكسر الكرامة" التي تمارسها الإدارة كعقيدة ثابتة في التعامل معهم.
أرقام مفزعة: أكثر من 9600 أسير يواجهون مجهول السجون
تشير المعطيات الإحصائية الصادرة عن مؤسسات الأسرى إلى أن عدد الفلسطينيين والعرب في سجون الاحتلال قد قفز إلى أكثر من 9600 أسير حتى بداية نيسان/أبريل 2026.
ومن بين هذا العدد الضخم، هناك أكثر من 1500 أسير من قطاع غزة، يواجهون ظروفاً استثنائية من الإخفاء القسري والتصنيفات القانونية الجائرة التي تحرمهم من أبسط حقوق الدفاع وإن هذه الأعداد الهائلة تعكس رغبة الاحتلال في تغييب جيل كامل خلف القضبان، وتحويل السجون إلى مقابر للأحياء تفتقر للرقابة الدولية والتدخل الإنساني العاجل.
وشددت هيئة شؤون الأسرى على ضرورة تحرك المؤسسات الحقوقية الدولية، وعلى رأسها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، للقيام بمسؤولياتها في تفتيش سجن "عصيون" وغيره من مراكز الاعتقال وإن الصمت الدولي تجاه ما يجري في عصيون يمنح الاحتلال الضوء الأخضر لمواصلة جرائمه، ويجعل من شعارات حقوق الإنسان مجرد حبر على ورق أمام أنين الأسرى الذين يطالبون فقط بحقهم في الكرامة والمعاملة الإنسانية التي تليق ببشر يدافعون عن حريتهم.







