في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي منذ عام 2023، برزت الساحة الأوروبية كأحد أهم ميادين إعادة تشكّل المواقف السياسية تجاه القضية الفلسطينية، لا سيما مع تصاعد الأحداث في قطاع غزة والضفة الغربية وما رافقها من تداعيات إنسانية وسياسية غير مسبوقة.
هذه التطورات لم تقتصر آثارها على حدود الجغرافيا، بل امتدت لتعيد صياغة خطاب ومواقف النخب السياسية في أوروبا، التي وجدت نفسها أمام اختبار حقيقي بين الالتزامات التاريخية والتحالفات الاستراتيجية من جهة، وضغوط الرأي العام والقيم المرتبطة بحقوق الإنسان من جهة أخرى.
في هذا السياق، يأتي هذا الحوار الخاص مع المحلل السياسي الفلسطيني هلال نصار لموقع "180 تحقيقات"، ليسلط الضوء على طبيعة التحولات في الموقف الأوروبي، وحدود تأثير المبادرات الشعبية داخل الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى استشراف ردود الفعل الإسرائيلية المحتملة، ومدى ارتباط القرار الأوروبي بالموقف الأمريكي كما يناقش الحوار ما إذا كانت هذه التحركات تمثل تحولًا استراتيجيًا طويل الأمد، أم أنها مجرد استجابة ظرفية لضغوط آنية، في محاولة لفهم مآلات المشهد السياسي الدولي تجاه القضية الفلسطينية.
كيف تنعكس التطورات في غزة والضفة الغربية على مواقف النخب السياسية الأوروبية؟
نستطيع الاتفاق على أن التطورات المستمرة في قطاع غزة والضفة الغربية خلال الفترة الزمنية (2023-2026) بذلت تحولات جوهرية شبه متباينة، في مواقف النخب السياسية الأوروبية، حيث انتقلت من دعم شبه مطلق لإسرائيل في بداية الحرب إلى تبني مواقف أكثر انتقاداً وتوازناً تحت ضغط الرأي العام والانتهاكات الموثقة، مع استمرار الانقسام الداخلي الأوروبي، مثل إسبانيا وكندا وتركيا وكوريا الجنوبية واليابان وايرلندا، والتي تحولت المواقف من "التضامن" إلى "النقد والمحاسبة" فيما شهدت الفترة الزمنية (2024-2025) المواقف الرسمية تحولاً من الدعم المطلق لـ "حق الدفاع عن النفس" إلى انتقاد وحشية حرب الإبادة وسياسة التجويع في غزة، وقد بلغ هذا التحول ذروته في منتصف 2025 بإطلاق مراجعة لـ "اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والكياني الصهيوني لامتثالها لبنود حقوق الإنسان، فيما تصاعدت الضغوط بشأن "عنف المستوطنين" في الضفة الغربية حيث تبنت النخب السياسية الأوروبية خاصة في (ألمانيا، فرنسا، بريطانيا، إسبانيا، وبلجيكا) مواقف حازمة تدين زيادة عنف المستوطنين وتوسع الاستيطان في الضفة الغربية، واعتبرته عائقاً نهائياً أمام حل الدولتين.
انقسام النخب إلى معسكرين: أحدهما معسكر مدافع عن إسرائيل: تقوده ألمانيا، النمسا، المجر، وجمهورية التشيك، التي تركز على أمن إسرائيل والمسؤولية التاريخية (الهولوكوست)، وتعارض غالباً إجراءات عقابية جماعية ضد إسرائيل؛ والآخر معسكر منتقد/مؤيد للفلسطينيين: تقوده إسبانيا، أيرلندا، وبلجيكا، والتي تضغط لفرض عقوبات، الاعتراف بدولة فلسطين، ووقف إطلاق النار، حيث ارتفعت أصوات المطالبة بالاعتراف بدولة فلسطين مما أدى إلى استمرار الحرب وغياب الأفق السياسي إلى تحفيز عدد من الدول الأوروبية لإتخاذ خطوات منفردة أو مشتركة للاعتراف بدولة فلسطين، كطريقة لإنقاذ حل الدولتين، وهو ما دعمته دول مثل إسبانيا، أيرلندا، والنرويج، أيضاً ازدواجية المعايير والضغط الشعبي أدى استمرار الحرب إلى اتهامات متزايدة للنخب الأوروبية بـ "ازدواجية المعايير" مقارنة بموقفها من الحرب في أوكرانيا. وقد أجبر هذا الضغط الجماهيري والنخبي (الأكاديمي والثقافي) حكوماتها على اتخاذ مواقف أكثر توازناً، كما ظهر في مظاهرات عام 2024 و2025.
خلاصة الأمر الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة أضعفت الدعم الدبلوماسي التقليدي للكيان الصهيوني داخل المجتمع الأوروبي وحولت القضية الفلسطينية من ملف ثانوي إلى محور نقاش سياسي وأخلاقي هام، مما يضع النخب السياسية الأوروبية أمام تحدي في موازنة التزاماتها السياسية والأمنية تجاه إسرائيل مع التزاماتها بالقانون الدولي.
ما الدور الذي تلعبه مبادرة “المواطنون الأوروبيون” في توجيه السياسات داخل الاتحاد الأوروبي؟
نعم هناك مبادرة للأوروبيين لعبت دوراً محورياً كأداة للديمقراطية التشاركية داخل الاتحاد الأوروبي، حيث تتيح للمواطنين التأثير المباشر في صنع السياسات وتوجيه الأجندة التشريعية للمفوضية الأوروبية، فيما أُطلقت هذه المبادرة بموجب معاهدة لشبونة ومنحت الأوروبيين القدرة على تجاوز القنوات السياسية التقليدية والدعوة إلى تغييرات وتوجيهات سياسية وقانونية ملموسة من خلال دراسة الأجندة والتأثير التشريعي وتعزيز الديمقراطية المباشرة والمشاركة في تحويل المبادرات إلى مسار رسمي، على الرغم من أهميتها، لا تُعد المبادرة ملزمة للمفوضية بتقديم تشريع، بل ملزمة بتقديم رد رسمي فقط، وقد تأخذ المبادرات وقتاً طويلاً قبل أن تؤتي ثمارها التشريعية.
▪️باختصار، تعتبر مبادرة المواطنين الأوروبيين جسراً ديمقراطياً يربط بين تطلعات المواطنين المباشرة والمفوضية الأوروبية، مما يجعلها أداة فعالة في توجيه السياسات، خاصة عندما تكتسب زخماً شعبياً كبيراً.
كيف يمكن أن ترد إسرائيل سياسيًا واقتصاديًا في حال تصاعدت الضغوط الأوروبية ضدها؟
في حال تصاعدت الضغوط الأوروبية السياسية والاقتصادية ضد الكيان الصهيوني، خاصة مع تلويح الاتحاد الأوروبي بتعليق اتفاقيات الشراكة أو فرض عقوبات بسبب الوضع الكارثي في غزة، فإن الكيان الصهيوني يمتلك عدة مسارات للرد، تتراوح بين المواجهة الدبلوماسية، والبحث عن بدائل اقتصادية، وتعزيز تحالفات مع أطراف أخرى، فيما تبحث الحكومة الإسرائيلية تبنى استراتيجية "الدفاع الهجومي"، حيث تعتبر إسرائيل الانتقادات الأوروبية "سوء فهم تام للواقع"، وقد ترد باتهام الاتحاد الأوروبي بتبني مواقف منحازة أو "معادية للسامية" لتشويه شرعية هذه الضغوط، فيما حاولت تعزيز التحالفات مع اليمين الأوروبي: والبحث عن حلفاء داخل أوروبا (مثل المجر، أو الحركات اليمينية المتطرفة) لكسر الإجماع الأوروبي داخل المجلس الأوروبي، والضغط عبر الولايات المتحدة للاعتماد على الحليف الأمريكي في الضغط على الدول الأوروبية لتقليل حدة الإجراءات الإسرائيلية المتخذة ضد المنظمات الحقوقية والأممية: وزيادة التعدي على المؤسسات الدولية (مثل الأونروا) والمسؤولين الذين ينتقدون سياساتها (مثل فرانشيسكا ألبانيزي).
الانقسام الداخلي والشرخ المجتمعي داخل الكيان الصهيوني يشكل خطر من الصعب تداركه بسبب الحرب (غزة/لبنان) وزيادةالتوترات الاقتصادية، وكذلك في ظل تصاعد الضغوط الشعبية الأوروبية يدفع حكوماتهم نحو اتخاذ خطوات عملية، مما يجعل خيارات الحكومة الإسرائيلية أقل فاعلية مع مرور الوقت وفي حالة عزلة دولية وشيكة من التصريحات السياسية في بعض الدول الأوروبية، حيث سيكون الرد الإسرائيلي مزيجاً من التحدي الدبلوماسي (اتهام أوروبا بالتحيز) والتنويع الاقتصادي السريع، لكنه سيواجه صعوبات إذا تم تنفيذ تعليق كامل لاتفاقية الشراكة.
إلى أي مدى يرتبط الموقف الأوروبي من إسرائيل بمواقف الولايات المتحدة والتحالفات الدولية الأوسع؟
يرتبط الموقف الأوروبي من الحكومة الإسرائيلية بالسياسات الأمريكية والتحالفات الغربية الأوسع ارتباطًا ولكنه معقد ومتغير، حيث يوازن الاتحاد الأوروبي بين التزامه الاستراتيجي بالتحالف الأطلسي (مع واشنطن) وبين مصالحه وقيمه الخاصة، خاصة في فترات النزاع، ورغم أن الولايات المتحدة تظل الحليف الأمني الأول والدرع الدبلوماسي للكيان الصهيوني، إلا أن أوروبا تمثل الشريك الاقتصادي الأكبر، مما يمنحها نفوذًا مختلفًا، كمظلة حماية: تاريخياً، تنسق أوروبا مواقفها مع واشنطن، حيث تستخدم الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) لحماية إسرائيل في مجلس الأمن، وتتجنب الدول الأوروبية الكبرى التصادم المباشر مع هذا المسار، وبالنسبة للعديد من الدول الأوروبية (مثل ألمانيا)، دعم أمن إسرائيل يعتبر مسؤولية استراتيجية وأخلاقية، وهو ما يتماشى مع التوجهات الأمريكية، ورغم التحالف، إلا أن هناك تباين بين "صمت أو دعم" واشنطن المطلق في بعض الأحيان، وبين "الانتقادات" الأوروبية لسياسات الاستيطان والعمليات العسكرية.
السياسات العدوانية تدفعها نحو عزلة متزايدة، ليس فقط في الرأي العام الأوروبي، بل وأيضًا في مواقف الحكومات الأوروبية التي بدأت تبتعد تدريجيًا عن الدعم غير المشروط، فيما اتخذت بعض الدول الأوروبية مواقف أكثر صرامة (مثل إسبانيا، أيرلندا، وبلجيكا) بالاعتراف بالدولة الفلسطينية أو الدعوة لفرض عقوبات، وهو ما يتجاوز التردد الأمريكي أمام الضغط الشعبي والبرلماني يتصاعد الحراك داخل أوروبا (خاصة بعد حرب غزة) ضغط على صناع القرار لإنصاف الفلسطينيين، مما أحدث شرخًا في التحالف الغربي التقليدي، كما تزايدت الدعوات داخل البرلمان الأوروبي لمراجعة أو تعليق اتفاقية الشراكة مع الكيان الصهيوني، وعودة احتمالات ترامب التي تثير هواجس أوروبية، حيث أدى انحيازه المطلق لإسرائيل إلى توسيع الفجوة بين أوروبا وواشنطن في هذا الملف، فالموقف الأوروبي ليس نسخة طبق الأصل من الموقف الأمريكي، بل هو "شريك محازر" يحاول الموازنة بين الحفاظ على وحدة التحالف الغربي وبين التزامه بالقانون الدولي، مع تزايد ميل بعض الدول الأوروبية نحو استقلالية أكبر في مواقفها تجاه إسرائيل، مدفوعة بضغوط داخلية متنامية.
هل تمثل هذه التحركات بداية تحول حقيقي في السياسة الأوروبية تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، أم أنها مجرد ضغوط مرحلية؟
تشير التحركات الأوروبية الأخيرة تجاه الصراع وحرب الإبادة في غزة إلى تآكل تدريجي في الغطاء السياسي الذي منحته أوروبا للكيان، مما يمثل بداية تحول حقيقي في اللهجة والمواقف العملية، ويمكننا توصيف هذه التحركات بأنها "تحولات حذرة" فرضتها ضغوط شعبية وإنسانية هائلة، وليست مجرد ضغوط مرحلية عابرة، تميل إلى الاعتراف بدولة فلسطين مثل إسبانيا، إيرلندا، النرويج، وسلوفينيا بالاعتراف رسمياً بدولة فلسطين، مع دراسة فرنسا وبلجيكا خطوات مماثلة، واتخاذ الاتحاد الأوروبي خطوات عملية لفرض عقوبات على وزراء إسرائيليين ومستوطنين متطرفين ومنظمات تدعمهم.
إجراءات قانونية واقتصادية كإعلان بعض الدول (مثل إسبانيا) حظر استيراد منتجات المستوطنات، وظهور مطالبات واسعة (تجاوزت مليون توقيع) لتعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل.
الغضب الشعبي الأوروبي المناهض للمشروع الصهيوني وتنظيم مظاهرات يومية حاشدة في العواصم الأوروبية طالبت بوقف "الإبادة الجماعية" وحاصرت الحكومات سياسياً، كما فشل الرهان على نتنياهو عبر اتساع الفجوة بين المواقف الأوروبية وإدارة نتنياهو، مع فقدان الصبر على سياسات الأرض المحروقة، واستمرار الانتهاكات الإنسانية: تصاعدت الانتقادات مع سياسات التجويع ومنع المساعدات التي اعتبرتها أوروبا "غير مقبولة" وتتجاوز حق الدفاع عن النفس.
هذه التحركات هي تغير بنيوي طويل الأمد وليس مجرد ضغط مرحلي، حيث لم يعد بإمكان الحكومات الأوروبية تجاهل الشارع ووقائع الميدان. ومع ذلك، سيظل هذا التحول تدريجياً وبطيئاً بسبب الانقسامات الداخلية، ولكنه يسير في اتجاه تضييق الخناق على إسرائيل لإنهاء احتلالها وتجاوز "التواطؤ" الذي ساد في بداية الحرب.
في ختام هذا الحوار، يتضح أن المشهد الأوروبي تجاه الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي لم يعد ثابتًا كما كان في السابق، بل بات ساحة ديناميكية تتنازعها الاعتبارات الأخلاقية والسياسية والاستراتيجية. فبين ضغوط الشارع الأوروبي، وتصاعد الانتقادات للانتهاكات في غزة والضفة الغربية، ومحاولات الحفاظ على تماسك التحالفات الدولية، تقف النخب السياسية الأوروبية أمام معادلة معقدة يصعب حسمها سريعًا.
ورغم أن التحولات الحالية تبدو تدريجية ومحكومة بحسابات دقيقة، إلا أنها تعكس تغيرًا أعمق في بنية الموقف الأوروبي، قد يفتح الباب أمام سياسات أكثر توازنًا في المستقبل. ومع استمرار الحرب وغياب أفق سياسي واضح، يبقى السؤال مفتوحًا حول قدرة أوروبا على ترجمة هذه المواقف إلى خطوات عملية مؤثرة، ومدى استعدادها للانتقال من دائرة التصريحات إلى الفعل، في واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا وتشابكًا على الساحة الدولية.









