في ظلّ تصاعد الصراع على الأرض والذاكرة في فلسطين، لم يعد الجدل مقتصرًا على الحدود والجغرافيا، بل امتدّ ليشمل الرواية التاريخية ذاتها، بوصفها ساحة موازية للصراع السياسي، فالمكان هنا لا يُختزل في كونه مساحة مادية، بل يتحوّل إلى نصّ مفتوح تتنازعه قراءات متباينة، تسعى كلّ منها إلى تثبيت حضورها في الوعي الجمعي عبر التاريخ والرمز والآثار.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية المقاربة الأكاديمية التي تربط بين علمي التاريخ والآثار من جهة، والتحولات السياسية والاستيطانية من جهة أخرى، لفهم الكيفية التي يُعاد بها تشكيل الذاكرة، أو السعي إلى طمسها وإحلال سرديات بديلة محلّها، إذ تتقاطع عمليات التوسع الاستيطاني مع محاولات إعادة تعريف الهوية الثقافية والتاريخية للمكان، في مشهد يعكس صراعًا عميقًا على المعنى والانتماء، وليس فقط على السيطرة.
وفي حوار خاص مع موقع "180 تحقيقات"، تقدّم د. منى أبو حمدية، الباحثة الفلسطينية في التاريخ والآثار، قراءة تحليلية لهذه الإشكاليات، كاشفةً عن الأبعاد الخفية للعلاقة بين الاستيطان، والذاكرة، والهوية، وكيف تتحوّل الشواهد المادية والرمزية إلى أدوات في معركة سردية لا تقلّ خطورة عن الصراع على الأرض.

د. منى أبو حمدية
وإليكم نص الحوار:-
كيف تقرئين، من منظورك كباحثة دكتوراه في التاريخ والآثار، العلاقة بين التوسع الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية ومحاولات طمس أو إعادة تشكيل الذاكرة التاريخية للمكان؟
من منظورٍ بحثيّ في التاريخ والآثار، لا يمكن قراءة التوسع الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية بوصفه نشاطاً عمرانياً أو سياسياً فحسب، بل باعتباره مشروعاً متكاملاً لإعادة هندسة الذاكرة الجمعية للمكان. فالاستيطان، في جوهره، لا يكتفي بالسيطرة على الأرض، بل يسعى إلى إعادة تعريفها رمزياً وتاريخياً، بحيث تتحول الجغرافيا من حاضنة للهوية الأصلية إلى منصة لسردية جديدة تُفرض بالقوة والهيمنة.
تتجلى هذه العلاقة في ممارسات متعددة، منها تغيير أسماء القرى والجبال والينابيع، وإحلال تسميات جديدة محلّ الأسماء العربية التاريخية، وإقامة مستوطنات فوق مواقع أثرية أو قرى مهجّرة، بما يخلق طبقة جديدة من المعاني فوق طبقات الذاكرة الأصلية. وفي هذا السياق، يصبح الاستيطان فعلاً ذا بعد ثقافي، يستهدف الذاكرة بقدر ما يستهدف الأرض، ويحوّل التاريخ من سجلٍّ للأحداث إلى ساحة صراع على الرواية.
إن طمس المعالم المادية، كالمباني التاريخية، والمقابر، والمواقع الأثرية، لا يعني فقط إزالة شواهد الماضي، بل يهدف إلى إضعاف قدرة المجتمع على استحضار ذاكرته، لأن الذاكرة، في علم الآثار، ترتبط بالمكان بقدر ارتباطها بالنصوص، ومن هنا، فإن التوسع الاستيطاني يمكن قراءته بوصفه محاولة لإعادة تشكيل المشهد التاريخي بما يخدم رؤية سياسية معاصرة، لا استجابة لحقائق علمية أو نتائج بحثية محايدة.

د. منى أبو حمدية
إلى أي مدى يمكن اعتبار سرقة أو تهويد الموروث الثقافي الفلسطيني جزءًا من مشروع استعماري أوسع يستهدف الهوية قبل الأرض، وليس الجغرافيا فقط؟
إن الاستيلاء على الموروث الثقافي الفلسطيني—سواء في الأزياء التقليدية، أو المأكولات الشعبية، أو الرموز التراثية—يمثل في التحليل الأكاديمي أحد أوجه الاستعمار الثقافي، حيث تُنقل عناصر من ثقافةٍ ما إلى سياقٍ آخر، وتُقدَّم باعتبارها جزءاً من هوية مغايرة. وهذه الممارسة لا تُعدّ مجرد نزاع على الملكية الثقافية، بل تدخل ضمن ما يُعرف في الدراسات الاستعمارية بـ”إعادة تعريف الهوية”، وهي عملية تهدف إلى تفكيك الذاكرة الأصلية وإعادة تركيبها وفق رواية مهيمنة.
إن استهداف الهوية الثقافية قبل الأرض يعكس فهماً عميقاً لطبيعة الصراع؛ فالأرض يمكن أن تُستعاد، لكن الهوية إذا تآكلت تصبح استعادتها أكثر تعقيداً، ولهذا، فإن السيطرة على الرموز الثقافية—من اللباس الشعبي إلى الحكاية الشعبية—تمثل محاولة لخلق انطباع تاريخي زائف بالاستمرارية، وكأن الثقافة المنقولة كانت دائماً جزءاً من هوية أخرى.
وفي هذا الإطار، يمكن اعتبار تهويد الموروث الثقافي جزءاً من مشروع استعماري أوسع، يسعى إلى إعادة تشكيل الوعي الجمعي، بحيث تُمحى الحدود الفاصلة بين الأصل والتقليد، وبين الذاكرة الحقيقية والذاكرة المصطنعة.

د. منى أبو حمدية
كيف توظف إسرائيل، في رأيك، علم الآثار والتنقيبات في بعض المناطق الفلسطينية لإعادة إنتاج روايات تاريخية تخدم مشروع الاستيطان؟
يُعد علم الآثار، في أصله، علماً تجريبياً يقوم على الأدلة المادية والتحليل العلمي، غير أن توظيفه في سياق سياسي قد يحوّله إلى أداة لإنتاج سرديات انتقائية. ففي بعض المناطق الفلسطينية، تُجرى حفريات أثرية في إطار مشاريع مرتبطة بالاستيطان أو السيطرة على المواقع التاريخية، حيث يُركّز على طبقات زمنية محددة و ضعيفة تنسجم مع رواية معينة، بينما تُهمل طبقات أخرى تعكس استمرارية حضارية متعددة.
هذه الانتقائية في القراءة الأثرية تُعدّ خروجا عن المنهج العلمي، الذي يقتضي التعامل مع الموقع الأثري بوصفه سجلا متكاملاً للتاريخ، لا مجموعة شواهد تُختار منها ما يخدم هدفا مسبقا. كما أن تحويل المواقع الأثرية إلى مرافق سياحية أو دينية ذات طابع أحادي، يؤدي إلى تثبيت رواية واحدة في الوعي العام، ويهمّش الروايات الأخرى التي تثبتها الأدلة العلمية.
ومن هنا، فإن التحدي أمام الباحثين الفلسطينيين لا يقتصر على حماية المواقع الأثرية، بل يمتد إلى توثيق نتائج الحفريات ونشرها في الأوساط الأكاديمية الدولية، بما يضمن بقاء الرواية العلمية قائمة على الأدلة، لا على التفسيرات الأيديولوجية (المزاجية).

د. منى أبو حمدية
ما دلالة استهداف الموروث الثقافي والمواقع الأثرية الفلسطينية على مستقبل الرواية التاريخية الفلسطينية في ظل الصراع القائم؟
إن استهداف الموروث الثقافي والمواقع الأثرية يحمل دلالة عميقة تتجاوز الحاضر إلى المستقبل؛ فهو يشير إلى صراع طويل الأمد على الذاكرة، حيث يصبح الحفاظ على الشواهد المادية شرطا أساسياً لاستمرار الرواية التاريخية. فالتاريخ، في غياب آثاره، يتحول إلى نصٍّ قابل للتشكيك، بينما تمنح الآثار الرواية قوة الإثبات والاستمرارية.
ومع ذلك، فإن التجربة التاريخية تُظهر أن الروايات التي تستند إلى ذاكرة جمعية حية، وإلى توثيق علمي منهجي، قادرة على الصمود حتى في ظل محاولات الطمس. فالمواقع الأثرية ليست مجرد حجارة صامتة، بل وثائق حيّة تُعيد سرد الحكاية كلما حاولت الرياح طمس آثارها.
إن مستقبل الرواية التاريخية الفلسطينية يرتبط بمدى القدرة على حماية التراث، وتوثيقه رقميا وعلمياً، وتعزيز حضوره في المناهج التعليمية والبحث الأكاديمي، بحيث تبقى الذاكرة متجذرة في الوعي، حتى لو تغيّر المشهد على الأرض.

د. منى أبو حمدية
كيف يمكن قراءة ملف الأسرى الفلسطينيين في سياق الصراع على الهوية والوجود، وليس فقط باعتباره ملفًا إنسانيًا أو سياسيًا منفصلًا عن سياق الاحتلال والاستيطان؟
لا يمكن التعامل مع ملف الأسرى الفلسطينيين باعتباره قضية إنسانية أو سياسية منفصلة عن سياق الصراع الأشمل، لأن الاعتقال، في كثير من الحالات، يرتبط بمحاولة ضبط المجال العام وإعادة تشكيل الوعي الجمعي. فالأسر، في هذا المعنى، يصبح أداة للسيطرة على المجتمع، من خلال استهداف الأفراد الذين يمثلون رموزاً للهوية الوطنية أو الفعل الاجتماعي.
إن وجود آلاف الأسرى عبر عقود متتالية يشير إلى أن القضية تتجاوز الإطار القانوني، لتدخل في نطاق الصراع على الوجود؛ حيث يُنظر إلى الإنسان بوصفه حاملاً للذاكرة والهوية، لا مجرد فرد في مجتمع. ومن هنا، فإن دراسة ملف الأسرى ضمن سياق الهوية تفتح المجال لفهم أعمق لطبيعة الصراع، باعتباره صراعاً على المعنى، وعلى حق الإنسان في البقاء شاهدا على أرضه وتاريخه.
وفي النهاية، يبقى الإنسان كما الحجر، وكما الموقع الأثري جزءاً من السردية الكبرى للمكان؛ فإذا حُفظت الذاكرة، ظلّت الرواية حيّة، وإذا صمدت الرواية، بقيت الهوية قادرة على النهوض من بين الركام، كجذع زيتونةٍ يعرف طريقه إلى الضوء مهما طال الليل.
في خضم هذا التشابك المعقّد بين الأرض والذاكرة، يتضح أن الصراع في فلسطين يتجاوز كونه نزاعًا على الجغرافيا، ليغدو معركة مفتوحة على التاريخ والمعنى والهوية، فكلّ حجرٍ أثري، وكلّ اسمٍ لمكان، وكلّ تفصيلةٍ من التراث، تمثّل خيطًا في نسيج روايةٍ تُقاوم محاولات الطمس وإعادة الصياغة.
ورغم ما يواجهه هذا الإرث من استهداف ممنهج، تبقى الذاكرة الجمعية، المدعومة بالبحث العلمي والتوثيق الدقيق، قادرة على الصمود وإعادة إنتاج ذاتها في مواجهة السرديات المفروضة. فالتاريخ، حين يُكتب بأدوات المعرفة، لا يمكن مصادرته بسهولة، والهوية التي تتجذّر في الوعي لا تُمحى بتغيير المعالم.
وفي النهاية، تظلّ المعركة على الرواية قائمة، لكن امتلاك أدواتها، من علمٍ وتوثيقٍ ووعي، هو ما يحدّد مآلاتها وبين محاولات الطمس وجهود الحفظ، يبقى الرهان على الذاكرة الحيّة، باعتبارها الحصن الأخير الذي يحمي الحكاية من الغياب.










